فهرس الكتاب
إن هذه القضية هي التي بينها الرسل عليهم الصلاة والسلام من أول يوم، وواجهوا بها أقوامهم، ولم يؤجلوها لحظة واحدة. وهذا هو الرسول
-صلى الله عليه وسلم - أعلنها لقومه منذ أن أمره ربه سبحانه بالإنذار بقوله { قم فأنذر } ، وهو خائف مستضعف، وأصحابه مستخفون بإسلامهم، بينما نجده - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بالتغيير والقوة قد أجل ذلك حتى تمت له القوة والقدرة ولم يحطم الأصنام التي في جوف الكعبة إلا بعد فتح مكة عندما هزم الله الشرك وأهله، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وبقيت هذه الأصنام بعد بعثته - صلى الله عليه وسلم - إحدى وعشرين عاما لم تحطم إلا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكه، بينما تم بيان شرك من يعبدها وشرك من يتحاكم إليها وأمثالها من الطواغيت من أول يوم في البعثة.
والحاصل أن هناك فرقًا بين التبيين والتغير، وكذلك فيما يتعلق بالأمر المراد بيانه للناس، فإنه يختلف تأجيله أو تعجيله حسب أهميته وخطورته، فما كان من أمر يتعلق بتوحيد العبادة الله عز وجل وبيان ما يضاده من الشرك الأكبر، فهذا أمر لا يحتمل التأخير، ولا تدخله المفاسد والمصالح، لأنه لا فتنة ولا مفسدة أكبر من الشرك، وأي فتنة تربو على ترك الناس على شركهم أو تضليلهم في دينهم فيوالون المشركين ويعادون المصلحين!!؟
أما إذا كان الأمر المراد بيانه من المنكرات دون ذلك من جنس المعاصي، فهذا ينظر فيه إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد حسب الضوابط الشرعية والقواعد المرعية، والله أعلم.
ثم إن هنا أمرا مهما يتعلق بالبيان لمظاهر الشرك الأكبر، وتحذير الناس منها، ألا وهو ضرورة التسلح بالصبر وتوطين النفس على مواجهة الابتلاء