فهرس الكتاب
قد لا يكون الدافع إلى هذه المواقف عند البعض شهوة محضة بل
قد تمزج بشبهة تبررها وذلك مثل قول بعضهم: إن هذه المواقف من باب المداراة التي يدفع بها شر أكبر، أو تتحقق من ورائها مصلحة أكبر.
وللرد على هذه الشبهة، لابد من توضيح الفرق بين المداراة التي هي صفة مدح، والمداهنة التي هي صفة ذم. فكثير ما يختلط المفهومان ببعضهما، وبالتالي تلتبس المواقف وتبرز صور من المداهنة يسعى أولئك الواقعون في فتنتها إلى إقناع أنفسهم أو غيرهم بأنهم يدارون. والله سبحانه هو علام الغيوب، ويعلم ما تخفيه الصدور، وكل إنسان أدرى بنفسه. ويمكن تفصيل الجواب على هذه الشبهة فيما يلي:
بوب البخاري رحمه الله تعالى في الجامع الصحيح بقوله:"باب المداراة مع الناس"وقال:"يذكر عن أبي الدرداء ?"إنا لنكشر [1] في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم"."
وعن عائشة ? أنه أستأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: (( إئذنوا له فبئس ابن العشيرة- أو بئس أخو العشيرة- فلما دخل ألان له الكلام فقلت له: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول، فقال:(أي عائشة: إن شر الناس منزلة عند الله من تركه- أو ودعه- الناس اتقاء فحشه ) ) [2] وعلق الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على هذين الحديثين بقوله:"قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة."
وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة. والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه.
وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير
إنكار عليه.
(1) التكشير: إظهار الأسنان تبسمًا أو غضبًا والمراد هنا: إنا لنبتسم في وجوه أقوام مداراة لهم.
(2) فتح الباري 10/ 544 ط (دار الريان) .