فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 416

إن المداراة كما مرت بنا هي بذل الدنيا لإصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، والمداري هو من يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق، أويرده عن الباطل. فهل السكوت على ما يفعله الطواغيت من ظلم وشرك، وفساد في الأمة فيه إصلاح للدين أو إفساد له؟ وهل الذين يثنون ويمدحون الظلمة ويصورونهم للناس أنهم أهل صلاح وخير، وأنهم يحبون الإسلام ويحكمون به!! هل هذا فيه إصلاح لدين الأمة وعقيدتها أم إفساد وتلبيس وتضليل؟! إن المتأمل لهذه الأفعال والمواقف لا يتردد أبدا في وصفها بالمداهنة، وذلك لانطباقها تماما على تعريف المداهنة وهي ترك الدين لصلاح الدنيا.

أو كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى عن المداهن بأنه: الذي يتلطف بصاحبه ليقره على باطل و يتركه على هواه.

ولو جاز لنا أن نعتبر السكوت عن قول الحق في بعض الظروف والأحوال هو من باب المداراة إذا كان الساكت يخشى أن يترتب على الكلام مفسدة عظيمة عليه أو على غيره. أقول: لو جاز لنا في هذه الحالة

اعتبار ذلك من المداراة فإنه لا يجوز بحال التكلم بالباطل واظهاره في صورة حق، أو الثناءعلى المبطلين المفسدين وإظهارهم للناس بأنهم من المصلحين والمحبين للدين وأهله، لما في ذلك من المفاسد العظيمة على الناس بتضليلهم ولبس الحق بالباطل، وجعلهم يوالون من أوجب الله عز وجل البراءة منه، ويعادون من أوجب محبته وموالاته، نعم هناك حالة وحيدة يجوز أن يقول فيها المسلم كلمة الباطل من الكفر ومادونه. ألا وهي عند الإكراه الملجئ وذلك بأن يعرض على السيف أو التعذيب الشديد، فعندها يجوز له ذلك حتى يدفع التلف عن نفسه أو عن إخوانه المسلمين، وذلك بشرطين:

أ حدهما: أن يكون القلب مطمئنا بالإيمان المستلزم للبراءة من المشركين وشركهم، وإنما قالها بلسانه تقية.

الثاني: أن يكون تحت الإكراه الملجى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت