فهرس الكتاب
والشرطان مذكوران في قوله تعالى: (( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ) [النحل:106]
ومع ذلك فلو أخذ بالعزيمة وصبر حتى قتل ولم يقل كلمة الباطل فهو الأفضل.
نسأل الله عز وجل السلامة والعافية في ديننا ودنيانا.
وهناك من أهل العلم من اشترط شرطا ثالثا يخص حال المكره وذلك
بأن لا يكون من العلماء البارزين في الأمة، والذين يقتدى بأقوالهم وأفعالهم فإن كان من هؤلاء فلا يجوز له أن يترخص في قول الباطل، ولو أكره على ذلك، لأن الأمة تقتدي به وتحسب أن ما قاله هو الحق ولا تدري أن ما قاله من الباطل تقية فيحصل من ذلك فتنة للناس وإضلال، ففي هذه الحالة يرتكب أهون المفسدتين لرفع أعظمهما عند التزاحم والمفسدة التي تكون على الدين، وتعم طائفة من الناس أعظم من المفسدة التي تخص فردا في نفسه. ومن أجل ذلك لم يأخذ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بالتقية حينما أكره على قول الباطل، وهو القول بخلق القرآن، بل صبر على السجن والتعذيب خوفا على الناس من الفتنة في دينهم، وقال رحمه الله تعالى لعمه عندما طالبه بالتقية، والأخذ بالرخصة:"يا عم: إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل، متى يتبين الحق" [1] (1) .
والحاصل: أن قول الباطل، والثناء على المبطلين هو من المداهنة المذموم فاعلها، والذي يتحمل وزر نفسه، ووزر من ضل وانخدع بقوله أو فعله، ولن ينفع المداهن في ذلك دنيا زائلة يحصلها، أو منصب أو جاه يصيبهما من جراء ذلك إذا حقت الحقائق، وعرض الناس على ربهم يوم القيامة لا تخفى منهم خافية.
وقد لا تكون المبادرة من المداهن في طلبه الدنيا مقابل قول الباطل ،
(1) ... انظر محنة الإمام أحمد رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء 11/332 والبداية
والنهاية 10/ 346.