فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 416

يقول صاحب هذه الاجتهادات:"... ولعل من اللافت للنظر بين واقع العمل الإسلامي في المجتمعات الغربية، ومثيله في بلاد المشرق، هذه المفارقة المذهلة بين الهدوء والاسترخاء اللذين يسودان علاقة العمل الإسلامي بالقيادات السياسية في الغرب، والتحفز والاستفزاز اللذين يسودان هذه العلاقة في بلاد المسلمين. وقد كان المتوقع هو العكس"... إلى أن قال:..."لقد التقى الفريقان في الغرب على أن هناك دولة قائمة - ظالمة كانت أو عادلة- وأن لهذه الد ولة نظما سارية لا سبيل إلى تغييرها إلا من خلال آليات التغيير المعتمدة في هذه المجتمعات، وأنه لا بد من الوقوف عند هذه الحدود التي تمثل إشارة ضوئية، تضبط السير وتحدد العلاقة بين الفريقين:"

فالعمل الإسلامي يرى أنه يعيش في إطار دولة يجب عليه أن يتقيد بنظمها وإن مثلت نوعا من أنوع الجور على حقوقه في بعض الجوانب، أو تناقضت مع بعض قواعد المشروعية التي يعتقدها، ويدين بها في جوانب أخرى، وهو يبذل هذا الانضباط عن طواعية واختيار، والدولة ترى في نظمها حدودا ملزمة لا يجوز أن تنتهكها؛ لتبطش بمواطنيها بغير حق، فتكفل الحماية والمنعة وتبذل الحقوق والرعاية لكل من يقيمون على أرضها

ما داموا وقافين عند هذه الحدود التي فصلتها الأنظمة والشرائع السارية. وهكذا أصبح الإنضباط المتبادل سنة التعامل بين الفريقين في هذه المجتمعات، ولكن الأمر على النقيض من ذلك في بلاد المسلمين، حيث مسلسل الانتهاكات الصارخة التي تتجاوز المعقول واللامعقول، وتدخل بالعلاقة- بين الطرفين- في سراديب ملتوية كثيرة التعاريج.

ولهذا فإن من آكد محاور الترشيد- التي نسجلها في هذا المقام- أن يدرك التيار الإسلامي بفصائله المختلفة أنه يعمل في إطار دول قائمة، وتحت مظلة أنظمة سارية، وأن عليه أن يرتب برامجه في ضوء هذه الحقيقة، وأن يستنفد المتاح قبل أن يتطلع إلى غيره، وأن يدرك أن تشوفه لغير المتاح قد يفقده المتاح وغير المتاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت