الصفحة 25 من 40

الأول, فإن لم يتصرف في الأول جاز, وكأنه دفعهما إليه دفعة واحدة, وإن تصرف في الأول لم يجز القراض في الثاني, ولا الخلط, لأن حكم الأول قد استقر بالتصرف ربحًا وخسرانًا, وربح كل مال وخسرانه يختص به (3) ·

لكن خالف الماوردي فقهاء مذهبه, فقال بجواز الخلط إذا أذن رب المال، قال في الحاوي: فلا يجوز أن يخلط ماله بمال القراض, وعليه تمييز كل واحد من المالين, فإن خلطهما فعلى ضربين ·

أحدهما: أن يكون بإذن رب المال, فيجوز ويصير شريكًا ومضاربًا (1) ، ويكفي للإذن أن يقول رب المال للعامل: اعمل فيه برأيك, وبهذا قال الحنفية والحنابلة (2) ·

قال الكاساني: وللمضارب أن يخلط مال المضاربة بمال نفسه إذا قال له رب المال, اعمل برأيك, وليس له أن يعمل شيئًا من ذلك إذا لم يقل له ذلك (3) ·

وزاد الحنفية أن للعامل الخلط إذا جرى بذلك عرف التجار, ولو لم يأذن رب المال به, ففي الفتاوى الهندية: إذا دفع رجل إلى آخر ألف درهم مضاربة ولم يقل له اعمل برأيك, إلا أن معاملة التجار في تلك البلاد أن المضاربين يخلطون, وأرباب الأموال لا ينهونهم عن ذلك, فعمل في ذلك على معاملات الناس, إن غلب التعارف بينهم في مثل هذا, رجوت ألا يضمن, ويكون الأمر في ذلك محمولًا على ما تعارفوه (4) ·

وأجاز المالكية الخلط بغير إذن, ووضعوا لذلك شروطًا اجتهادية, لم يتفق فقهاؤهم على اشتراطها, وقالوا بوجوب الخلط أو ندبه في بعض الحالات والصور, كأن يخاف من عدم الخلط فوات ربح أو حصول خسارة, قال صاحب الشرح الكبير: والخلط هو الصواب إن خاف بتقديم أحدهما رخصًا, فيجب إن كان المالان لغيره أو كان أحدهما له, ويلزم من تقديم ماله رخص مال القراض, لوجوب تنميته عليه, فإن خاف بتقديم مال القراض رُخص ماله لم يجب, إذ لا يجب عليه تنمية ماله, ومثل الرخص في البيع, الغلاء في الشراء, وقيل لا يجب بل يندب, وعلى القول بالوجوب يضمن الخسر إذا لم يخلط, وعلى الندب لا يضمن (5) ·

وبعد هذا العرض لأقوال الفقهاء ووجهة نظر كل منهم, نرى أن جمهورهم يقول بجواز الخلط إذا أذن رب المال بذلك صراحة, وهو الراجح، لأن رب المال إذا وافق على الخلط أصبح شريكًا لمن خلط ماله بماله, فيجبر ربح أحدهما خسارة الآخر, ويقسم الربح الصافي حسب رؤوس أموالهم, دون تفريق بين صفقة رابحة مُولت من هذا المال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت