الصفحة 30 من 40

فقال ابن قدامة: وإن قال: خذ هذا المال, فاتجر به, وربحه كله لك، كان قرضًا, لا قراضًا, لأن قوله"خذه فاتجر به"يصلح لهما, وقد قرن به حكم القرض, فانصرف إليه, وإن قال مع ذلك"ولا ضمان عليك"فهذا قرض شرط فيه نفي الضمان, فلا ينتفي بشرطه, كما لو صرح به، فقال: خذ هذا قرضًا ولا ضمان عليك ·

وإن قال: خذه فاتجر به, والربح كله لي, كان إبضاعًا, لأنه قرن به حكم الإبضاع, فانصرف إليه, فإن قال مع ذلك"وعليك ضمانه"لم يضمنه، لأن العقد يقتضي كونه أمانة غير مضمونة، فلا يزول ذلك بشرطه وإن قال: خذه مضاربة, والربح كله لك, أو كله لي, فهو عقد فاسد (2) ·

ولم يفرق الحنفية بين ما لو كانت بلفظ المضاربة أو بغيره من الألفاظ، فأخذوا بالمقاصد والقرائن, قال الكاساني: ولو شرط جميع الربح للمضارب فهو قرض عند أصحابنا, لأنها لا تصح مضاربة فتصح قرضًا، حيث أتى بمعنى القرض, والعبرة في العقود لمعانيها, وعلى هذا, إذا شرط جميع الربح لرب المال, فهو إبضاع عندنا, لوجود معنى الإبضاع (1) ·

والقولان السابقان منقولان عن الشافعية, قال النووي: الشرط الثاني للربح, أن يكون مشتركًا بينهما, فلو قال قارضتك على أن يكون جميع الربح لك فوجهان أصحهما أنه قراض فاسد رعاية للفظ, والثاني أنه قراض صحيح رعاية للمعنى ولو قال: قارضتك على أن الربح كله لي، فهل هي قراض فاسد, أم إبضاع, فيه وجهان (2) ·

ويجوز عند المالكية أن يتفق رب المال والعامل على أن جميع الربح لأحدهما, كأن يقول رب المال للعامل: اعمل بهذا المال, والربح الحاصل كله لك, وحينئذ يخرج عن كونه قراضًا, ويصبح قرضًا, وضمانه على العامل, لأنه انتقل من الأمانة إلى الذمة, ما لم يشترط العامل على رب المال عدم ضمانه, أو يكون العقد بلفظ القراض, فيكون الضمان في هاتين الصورتين على رب المال, فإن اجتمع أن يكون العقد بلفظ القراض واشترط رب المال على العامل الضمان, فسد العقد, كأن يقول رب المال للعامل: خذ هذا المال واعمل به قراضًا, ولك جميع ربحه, على أن تكون ضامنًا لرأس المال إن هلك أو خسرته فسد ذلك القراض, وحينئذ هل يكون الربح للعامل كما شرطاه أو يرد إلى قراض مثله (3) ·

والراجح -والله أعلم- صحة ما يشترط العاقدان من جعل الربح لأحدهما, لأنه صريح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت