الصفحة 220 من 292

الذي يظهر أن التسبيح أقرب ما يكون إلى الإيمان والاعتقاد، بينما التقديس يشير إلى الإسلام والطاعة؛ فالتسبيح: هو تنزيه الله تعالى عن كل نقص؛ وحين يخصص الملائكة التسبيح بأنه تسبيح بالحمد؛ فذلك يعني"أننا نبرئك عن صفات النقص حال إثباتنا لك صفات الكمال" (1) ، وهذا هو الجانب الاعتقادي الإيماني في الدين.

وأما التقديس فمعناه: التطهير؛ تطهير النفس وتطهير الواقع الخارجي، ومعنى نقدس لك:"أي نطهر كل شيء نقدر عليه من نفوسنا وغيرها" (2) ، وهل يصلح السلوك إلا بصلاح التصور؟ وهل يكون العمل الصالح إلا تاليًا للإيمان ومقترنًا به؟، لقد ورد في القرآن وصف الأمكنة بالتقديس، ( بالواد المقدس) ، ( الأرض المقدسة) ، وجاء في السنة الحديث عن تقديس الناس، (كيف يقدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من قويها) (3) ، والمعنى واحد لأن تقديس المكان يحصل بتطهيره من غلبة الأشرار، وتقديس الناس بتزكيتهم أو بإظهار خيارهم. وقد ورد اسم الله تعالى"القدوس"مرتين تاليًا لاسمه سبحانه الملك، ( الملك القدوس) ، ما يشير إلى علاقة التقديس بالمُلك، في سورتي الحشر والجمعة، وأولاهما تتحدث عن جلاء بني النضير، ومعنى التقديس هنا واضح، وأما سورة الجمعة فتتحدث عن بعث محمد - صلى الله عليه وسلم -، في الأميين، ليتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة، و"يزكيهم"، فضلًا عن اتصال يوم الجمعة بخلق آدم وإسكانه الأرض واستخلافه فيها، لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت فيه الشمس: يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة) (4) .

(1) …البقاعي، نظم الدرر، (1/88) .

(2) …البقاعي، نظم الدرر، ( 1/88) .

(3) …الألباني، صحيح الجامع الصعير وزيادته، رقم: (459) .

(4) صحيح مسلم، رقم: ( 854) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت