قال ابن عيينة: رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه جماعة فعلاه بالدّرة (9) فقال أُبيُّ بن كعب: اعلم ما تصنع يرحمك الله ، فقال عمر: أما علمتَ أنها فتنة للمتبوع مذلّة للتابع ? (10) .
فهذا عمر رضي الله عنه خاف على أُبيِّ رضي الله عنه من كثرة الأتباع والتلاميذ الذين يطأون عقبه ، فغيرهم أولى بالخوف وسد الذريعة . وليس حال القاريء المتقدم صفته كالطبيب الذي يزدحم الناس على بابه ، فإن الطبيب يعالج بعلاج معروف، ولا يشعر أن العلاج لا ينفع إلا إذا وصفه هو ، بل يعتقد أن الأمر مرتبط بالعلاج لا بالطبيب؛ بخلاف الراقي فإنه قد يظن أن الأمر مرتبط به هو لا بالعلاج ، لأن القرآن موجود عند المسلمين جميعًا ، ويستطيعون قراءته ، ومع هذا يحرصون على أن يقرأ هو ، فقد يدخله العُجب والزهو ، ويظن بنفسه الظنون ، ولاشك أن الابتعاد عن مثل هذا أولى . والله أعلم بالصواب .
* خامسًا: أنه من الملاحَظ على القراء أصحاب الكيفية المتقدمة أنهم قد يقولون بغير علم ، وذلك أنهم إذا قرأوا على المريض ولم يتكلم الجني على لسانه ، قالوا: ليس فيك جني ، وأنت بك عين ، أو ليس بك جني ولا عين ونحو هذا ، ولسان حالهم يقول: إننا لا نقرأ على مصروع إلا ويلزم أن تخاطبنا الجن وتتكلم فَرَقًَا منا أو من قراءتنا ، وليس على هذا أثارة من علم ، فإن المصروع إذا قُريء عليه وخُوِّف الجن الذي بداخله فقد يتكلم الجني ويخاف وقد لا يتكلم ولا يخاف !، فمن أين لهم القطع بأنه ليس في المقروء عليه جني أو عين ? وقد يترتب على هذا أن المريض يترك الأدعية النبوية في مثل هذه الحالات ، بناء على قول القاريء ، والله عز وجل يقول: ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ) (11) .