التدرج في طلب العلم
فالتدرج سنة عامة في التعلم وفي غيره، وإن من طلب العلم جملة فاته جملة، كما قال الزهري رحمه الله، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان، ولعل هذا بعض الحكمة في نزول القرآن الكريم منجما على مدي سني البعثة، وأمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأه على الناس على مكث، قال تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) الإسراء: وقد قال سفيان الثوري رحمه الله: كنت آتي الأعمش ومنصورا فأسمع أربعة أحاديث ثم أنصرف كراهة أن تكثر وتفلت، وجاء إليه رحمه الله شيخ، فسأله عن حديث فأجابه، ثم عن آخر فأجابه، ثم عن ثالث فأجابه، ثم سأله عن الرابعة فقال: إنما كنت أقرأ على الشيخ الحديثين والثلاثة لا أزيد حتى أعرف العلم والعمل بها، فألح عليه الشيخ فلم يجبه، فجلس يبكي، فقال له سفيان: يا هذا، تريد! ما أخذته في أربعين سنة تأخذه أنت في يوم واحد؟! وقال ابن شهاب ليونس بن زيد: (يا يونس، لا تكابر العلم! فإن العلم أودية، بأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة، ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي)
أدب الطلب
لطلب العلم أداب، منها ما يتعلق بأدب الطالب في نفسه، ومنها ما بتعلق بأدبه مع شيخه، ومنها ما يتعلق بأدبه مع أقرانه، ومنها ما يتعلق بأدبه مع درسه وطلبه للعلم.
أدب طالب العلم في نفسه
-... التخلية قبل التحلية، ينبغي لطالب العلم أن يتهيأ لطلب العلم بتطهير قلبه من الغش، والغل، والحسد، وفساد المعتقد، وسوء الخلق، ليصبح أهلا لطلب العلم وقبوله، فإن القلوب تطيب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة.
-... إحسان القصد وإصلاح النية، وذلك بأن يبتغي بطلبه للعلم وجه الله تعالى، فإن طلب العلم عبادة، والعبادة لا تصلح إلا لله تعالى وحده، فمن طلب به دنيا يصيبها، أو شرفا يناله، فقد أفسد دينه، ويوشك أن يفسد دنياه! قال صلى الله عليه وسلم: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه!)