فهرس الكتاب
لم يكن الشيعة حتى ذلك الوقت سوى جماعة من المسلمين تدعو إلى أن يكون الحاكم من أسرة علي بن أبي طالب، لما لهذه الأسرة من محبة عند المسلمين جميعًا لقرابتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لسيدنا علي من جهاد في سبيل الدعوة و... وهذا سر حمل هذه الدعوة إذ تلقى تأييدًا من قبل المسلمين كافة، ولم يكن المسلمون من وجهة النظر العلمية أو التشريعية ليفرقوا بين شخص له هوى مع هذا الفرع الحاكم أو ذاك المطالب ما دام المصدر التشريعي واحدًا فكان جعفر الصادق (1) [54] ) أستاذ مالك بن أنس (2) [55] ) وأبي حنيفة النعمان (3) [56] ).
كان التشيع ظاهريًا عند قليل من الفرس ويحمل في الحقيقة الدعوة إلى العصبية الفارسية، وقد لوث أصحاب هذا التشيع من الفرس دعوتهم بالأفكار الفارسية وعقائدها وما لحق بها من آثار هندية وإغريقية، وذلك نتيجة تعصبهم لها ودعوتهم إليها سرًا، وبدأ التشيع يتميز تدريجيًا عن الفكر الديني الصافي، وبدأت زاوية الانفراج بالاتساع مع الزمن بين أهل السنة والشيعة حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، هذا مع العلم أن أهل السنة جميعًا يعطون سيدنا عليا حقه من التقدير الصحيح والمحبة الصادقة والاحترام الحقيقي دون مغالاة في ذلك غلوًا يرفعه عن مستوى البشر ويجعل منه ومن أحفاده أئمة معصومين.
لقد فشلت فكرة التشيع في تسلم بعض غلاتها الحكم؛ لأن الذين كان بيدهم الأمر كانوا أقوياء سواء كانوا من الأمويين أم من العباسيين الأوائل، وهذا ما جعلهم يتجهون إلى العصبية علنًا مع المحافظة على اسم الإسلام الذي شاب أفكار أتباعه ما شابهم لما يحملون من أفكار غريبة عنه، والحرص على هذا الاحتفاظ إنما كان لأن أكثرية الشعب مسلم، فإن شذ بعضهم فإن دعوتهم لن يكون لها اتباع بل إنهم سيقتلون على أنهم مرتدون، ولكن بإظهار الإسلام يمكن أن يسيروا بالعامة إلى حيث يشاءون بهم نحو فكرتهم.