فهرس الكتاب
هذه العصبيات لم يكن لها أي مبرر، ولم يكن لها أي وجود لولا الأطماع الشخصية من الحكام التي نادوا بها ليسندوا بها حكمهم، وليختلفوا بها عن الآخرين، فإذا لم يختلفوا بها عن الآخرين فلا داعي لوجودهم، وأسرع الحكام آنذاك في إحياء لغات محلية اندثرت ولهجات إقليمية زالت منذ أن جاء الإسلام وحلت لغة العرب، وأغدق هؤلاء الحكام على الشعراء الأموال الكثيرة، ونال العلماء أعطيات كبيرة لقاء ما كتبوه في لغاتهم الخاصة، وظهرت مراكز كثيرة للحضارة تريد كلها أن تضاهي مدينة بغداد مركز الخلافة الإسلامية.
وانهارت الدويلات الواحدة تلو الأخرى؛ لأنه لم يكن لها مقومات الدولة، فكلها تعتمد على العصبية، فلا يكاد الأمر يستقر لها حتى تقوم غيرها، ولا تكاد تطمئن حتى تضمحل وتزول، فالحكم كان يعتمد على قبائل صغيرة أحيانا، فقامت في كل ناحية دويلة، واستبد في كل ناحية أمير، وحكم في كل مدينة سلطان ينافس الآخرين، يعلو عليهم تارة، ويخضع لغيره أحيانًا.
هذا التفكك الذي أوجدته العصبية لم يعد بالإمكان التغلب عليه، فقد انقلب الحكم إلى نزعات محلية وعصبيات موضعية، وصارت المنطقة هدفًا لغير ساكنيها ومطمعًا لغير أهلها.
ثم سيطر الغوريون (1) [65] ) على المنطقة الشرقية من إيران على كرمان ومكران، كما أن الدولة الخوارزمية (2) [66] ) قد أخضعت أكثر إيران لها، وكان للحشاشين (3) [67] ) دور وكان مركزهم قلعة الموت (4) [68] ).