الدليل الثالث: عن معمر عن عثمان رضي الله عنه في رجل وهب لآخر هبة فقبضها، ثم رجع فيها الواهب، قال الموهوب له: (فإنني قد رددتها عليك، فمات الواهب قبل أن يقبضها من الذي وهبها له قال: فليس بشيء هي للموهوب له حتى يقبضها كما قبضت منه) (1) ·
وجه الاستدلال: هذه الآثار الثلاثة عن الخلفاء الثلاثة تدل على أنهم يرون أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض ·
الدليل الرابع: أن الهبة عقد تبرع، فلو لزمت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم فتصير عقد ضمان، وهذا تغيير المشروع (2) ·
الدليل الخامس: أنها هبة غير مقبوضة، فلم تلزم، كما لو مات قبل أن يقبض (3) ·
القول الثاني: أن الهبة تلزم بالعقد، وهو مروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وبه قال الحسن البصري، وأبو ثور (4) ، وإليه ذهب المالكية (5) ، والظاهرية (6) ، وهو رواية عن الإمام أحمد (7) ·
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) (8) ·
وجه الاستدلال: دل الحديث بعمومه على تحريم الرجوع في الهبة سواء المقبوضة وغير المقبوضة وفي هذا دليل على أن الهبة تلزم بالعقد ·
الدليل الثاني: أنه إزالة ملك بغير عوض، فلزم بمجرد العقد، كالوقف، والعتق (1) ·
الدليل الثالث: أن الهبة عقد لازم ينقل الملك، فلم يقف لزومه على القبض، كالبيع (2) ·
المناقشة والترجيح: بعد النظر في أدلة القولين أجد ما يأتي:
أولًا: أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بالآثار المروية عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، وهي آثار مشهورة، عمل بها الصحابة رضي الله عنهم، وهي صريحة بأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض ·
ثانيًا: أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن الهبة عقد تبرع، وهذا تعليل وجيه ·