الصفحة 113 من 748

ومنهم القرطبي، فإنه ذكر الاختلاف في رفع اليدين في الدعاء، ثم قال:"قلت: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله عز وجل، والتذلل له والخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حسبما ورد في الأحاديث، وقد قال تعالى: (( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) ) [الأعراف:55] ، ولم يزد صفة من رفع يدين وغيرها، وقال: (( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا ) ) [آل عمران:191] ، فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة، وهو غير مستقبل القبلة" ( ) .

ونحو كلام القرطبي هذا ما ذكره المناوي من أن عدم رد الله تعالى للدعاء لا يتوقف على الرفع إذا توافرت الشروط ( ) ، ويريد بهذا أن الرجل لو لم يرفع يديه ولكنه خشع وأخلص... إلخ؛ قد تجاب دعوته، وأن الإجابة ليست متوقفة على الرفع، وكأن المناوي يرى أن بعضها شرط حقيقي، والله أعلم.

المبحث الأول

في آداب الدعاء العدمية

للدعاء آداب كثيرة تتنوع إلى عدة أنواع باعتبارات شتى، ونظرات مختلفة، فيمكن تقسيمها باعتبار إلى ظاهرية وباطنية، وباعتبار إلى عدمية ووجودية، أو يقال إلى سلبية وإيجابية، وباعتبار آخر إلى آداب تتعلق بالداعي، وأخرى بالدعاء، وأخرى بالمدعو فيه، ولاختلاف هذه الاعتبارات اختلفت عبارات العلماء في تقسيمها.

فقد قسمها القرطبي بالنظر إلى ما يطلب للداعي أو للدعاء أو المدعو به، فذكر مما يطلب للداعي:

"أن يكون عالمًا بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته، ومسخرة بتسخيره" ( ) .

فهذا الشرط داخل في الإخلاص في التقسيم الذي ذكرناه، فإن هذا العلم يقتضي أن يخلص الداعي في دعائه، وأن لا يدعو إلا الله تعالى على وفق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر من الشروط في الداعي:

-أن يدعو بنية صادقة وحضور قلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت