فمن اعتدى في الدعاء بدعائه لغير الله تعالى، سواء دعاه مستقلًا، أو دعاه ليكون واسطة؛ فقد ارتكب إثمًا عظيمًا، وأبعد نفسه عن رحمة الله تعالى؛ بصرفه لخالص رجائه ورغباته وتوجهاته لغير الله تعالى، فالذين يدعون غير الله تعالى، ويرجون قبول دعائهم فقد ضلوا الطريق الصحيح لقبول الدعاء، ولهذا قال الله تعالى: (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ) ) [الأحقاف:5] .
ب- من الاعتداء الذي تشمله الآية: الابتداع في الدعاء، فإن الدعاء عبادة، وهي توقيفية، فمن ابتدع عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، فقد اعتدى طوره، واعتدى على حق الله الذي هو التشريع.
ثم إنه عَبَدَ الله بما لم يشرعه، وتقرب إليه بما لم يأذن به، وسأل الله تعالى بما لم يأذن له بسؤاله به ( ) .
جـ- من الاعتداء في الدعاء: سؤال الله تعالى ما لا يجوز له سؤاله ( ) ، وهذا يتصور في أشياء:
1-سؤاله ما لا يليق به مثل منازل الأنبياء، وقد فسر بعض السلف الآية بذلك ( ) .
ويدل على ذلك ما ورد عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها.
فقال: أي بني! سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء} ( ) .
وإنما أنكر عبد الله بن مغفل على ابنه هذا الدعاء؛ لأن ابنه طمع فيما لا يبلغه عمله، حيث سأل منازل الأنبياء، وهذا اعتداء في الدعاء؛ لما فيه من تجاوز الأدب، ويحتمل أنه إنما نهاه لأنه سأل شيئًا معينًا ( ) ، ويمكن أنه نهاه لكونه من تكثير الكلام بدون فائدة.