وقد وردت في بعض طرق هذا الأثر زيادة في أوله: {بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا} ( ) . ونقل نحو هذا عن ابن عباس في صدقة السر والعلانية ثم قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها ( ) . وهذا الأثر الموقوف على ابن عباس له حكم الرفع.
قال القرطبي:"مثل هذا لا يقال من جهة الرأي، وإنما هو توقيف" ( ) .
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله عشرة فوائد في إخفاء الدعاء ( ) ، أذكرها هنا مع طولها؛ لنفاستها؛ وكونها دررًا من الحكم والأسرار العظيمة التي تضمنه كلامه رحمه الله.
أحدها: أنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.
وثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم؛ لأن الملوك لا ترفع الأصوات عندهم، ولله المثل الأعلى.
وثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده، فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل، قد انكسر قلبه، وذلت جوارحه، وخشع صوته، حتى إنه ليكاد تبلغ ذلته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق، وقلبه يسأل طالبًا مبتهلًا، ولسانه لشدة ذلته ساكتًا، وهذه الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلًا. ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء فإن رفع الصوت يفرقه، فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه.
وسادسها: أنه دال على قرب صاحبه إلى من يدعوه، وهو الله القريب المجيب، ولا يكون من نداء البعيد للبعيد حتى يحتاج إلى رفع الصوت. ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله عز وجل: (( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) ) [مريم:3] ففي ذلك استحضار القلب قرب الله عز وجل، وأنه أقرب إليه من كل قريب؛ فلهذا يخفي دعاءه ما أمكن، وإلى ذلك أشارصلى الله عليه وسلم بقوله: {اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمًا ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} .