الصفحة 135 من 748

وقال تعالى: (( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ) ) [البقرة:186] .

وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص، فهو قريب من داعيه، وقريب من عابديه، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

وسابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل، والجوارح لا تتعب، بخلاف ما لو رفع فإنه يضعف.

وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات، فإنه إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد حتى يشوش عليه، وربما تعلقت نفس الداعي بمراقبتهم، فتتفرق همته؛ فيضعف أثر الدعاء.

وتاسعها: أن أعظم النعمة الإقبال على الله وعبادته، ولكل نعمة حاسد، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة، والأسلم له إخافاء نعمته عن الحاسد.

وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام: (( لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ) ) [يوسف:5] .

وعاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه وتعالى، فهو ثناء على الله مع الطلب منه، فهو ذكر وزيادة، وقد أمر الله تعالى بإخفاء الذكر في قوله: (( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ) ) [الأعراف:205] .

هذا آخر الفوائد التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو -كما ترى- يذهب إلى عدم الفرق بين الذكر والدعاء، وهذا هو الصواب.

وقد ذهب بعضهم إلى الفرق بين الذكر والدعاء.

فذهب إلى أن الأفضل في الدعاء السر دون الذكر، وعلل ذلك بقوله: لأنه أقرب إلى الإجابة إلا عند الضرورة.

ونقل عن الفتاوى البزازية أن الواعظ إذا جهر بالدعاء لا بأس به، نعم إذا تعلموا وجهر يكون جهرهم بدعة.

ثم علل ثانيًا بقول الله تعالى في زكريا (( إذ نادى ربه نداء خفيأ ) )وأنه يستحب في الاستعاذة اتفاقًا لكونها دعاء ( ) .

وقد حكى بعض علماء الحنفية أن المستحب عندهم في الأذكار والأدعية الخفية إلا فيما تعلق بإعلانه مقصود، كالأذان والخطبة، وتكبيرات الصلاة ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت