وقد حوى في داخل هذه الأبواب أنواعًا من المبالغات التي لا يمكن أن يصدقه العقل فمن ذلك ما رواه بسنده إلى أبي عبد الله أنه كان مع جماعة من الشيعة في الحجر فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات- لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وراثة ( ) .
وروى أيضًا أن الروح المذكور في قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) ) [الشورى:52] أنه خلق من خلق الله أعظم من جبريل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده ( ) .
هذا ويكفينا من هذا كله مما يختص بموضوعنا- مسألة دعاء غير الله تعالى- ما أخرجه الكليني بسنده عن جعفر الصاددق في قول الله تعالى: (( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) ) [الأعراف:180] نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا ( ) .
وأخرج أيضًا بإسناده إلى أبي الحسن -علي الرضا- في قوله تعالى: (( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) ) [الجن:18] قال: نحن الأوصياء ( ) .
وهذا الذي يقول به هؤلاء من الادعاءات الكثيرة في أئمتهم ومدعويهم لا يصدقه العقل السليم ولكن الأمر كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله: ولولا الغلو في الدين والتكالب على نصر المذهب، والتهالك في محبة المبتدع لما وسع ذلك عقل أحد ( ) .
وقد وضح مما تقدم مدى ما وصل إليه غلو الروافض في أئمتهم ولم يصل إلى هذا الحد من الغلو في الصالحين في هذه الأمة أحد مثلهم. ثم قلدهم الصوفية فغلوا في شيوخهم ورفعوهم فوق منزلتهم، ومن طريق هاتين الفرقتين انتشرت الشركيات في هذه الأمة وانتشر الغلو في الصالحين وعباداتِهم ودعاؤهم من دون الله تعالى.