وثانيهما: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة، تقول العرب للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه: عوذ؛ لأنه اعتصم به واستمسك به، فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به ولزمه. وقال رحمه الله:"والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معًا، فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، مستمسك به، معتصم به، قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفًا وقصده به فهرب منه، فعرض له أبوه في طريق هربه، فإنه يلقي نفسه عليه ويستمسك به أعظم استمساك، فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، والتجأ إليه" ( ) .
وما ذكره الرازي وابن القيم رحمهما الله تعالى متقاربان؛ لأن الالتجاء إلى الشيء فيه معنى الاستتار به، والاحتماء به، وهذا بالنسبة إلى المعنيين الأولين، وأما بالنسبة إلى المعنيين الأخيرين وهما: الالتصاق عند الرازي، ولزوم المجاورة عند ابن القيم، فهما متلازمان؛ لأنه يلزم من الالتصاق بالشيء مجاورته.
هذا هو معنى الاستعاذة في اللغة.
وأما الاستعاذة في الشرع: فهي"الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجانبه من شر كل ذي شر" ( ) ، وقد تقدم في كلام ابن القيم الإشارة إلى المناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي.
النسبة بين الدعاء والاستعاذة:
قد تحصل مما سبق أن الاستعاذة خاصة بما إذا كان المطلوب منع الشدة أو رفعها، وذلك أن المستعاذ منه إذا كان يخاف وقوعه في المستقبل فإنه يطلب منعه، نحو: أعوذ بالله من عذاب جهنم أو عذاب القبر. وإن كان حاضرًا فإنه يطلب رفعه، نحو: ما ورد في الحديث: {أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر} ( ) فمن هنا يعلم أن الاستعاذة خاصة بدفع الضرر الحاصل أو المتوقع، وأما الدعاء فإنه يعم ما كان لمنع الشدة ورفعها، كما أنه يعم ما كان لحصول منفعة وطلب خير ( ) .