ومن هنا نستطيع أن نقول: إن المناسبة بينها وبين الدعاء العموم والخصوص المطلق، فكل استجارة دعاء، وليس كل دعاء استجارة؛ لأن الدعاء يشمل ما كان لدفع المضار أو جلب المنافع، والاستجارة خاصة بدفع المضار، وقد تقدم في الاستعاذة قول شيخ الإسلام أن الاستجارة والاستعاذة والاستغاثة قرائب في المعنى، وأنها نوع من أنواع الدعاء والطلب.
د- اللياذة:
يقال: لاذ به يلوذ لوذًا ولواذًا ولياذًا إذا لجأ إليه، وعاذ به واستتر به واحتصن به واستغاث به ( ) . هذا كلام علماء اللغة، وهو يدل على أن مفهوم اللياذ، ومفهوم الاستعاذة شيء واحد، لكن ذهب ابن كثير إلى تغايرهما، وقوَّى ذلك بشاهد من شعر المتنبي، قال ابن كثير ( ) :"العياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي:"
يا من ألوذ به فيما أومله ... ... ومن أعوذ به ممن أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... ... ولايهيضون عظمًا أنت جابره" ( ) "
فيدل هذا البيت الأول على أن العياذة في جانب دفع المضار، واللياذ في جانب جلب المسار، لكن المتنبي ليس حجة؛ لكونه في العصر العباسي الثاني، إذ ولادته في عام (353هـ) ، وتوفي سنة (354هـ) .
وممن صرح باتحاد مفهوم اللياذة والعياذة العز بن عبد السلام، فإنه قال:"الإعاذة واللياذة بمعنى واحد، وهو الاستجارة بذي سلطان من مكروه" ( ) .
فجعل اللياذة لدفع الشر كالعياذة، ويؤيده تفسير اللغويين للياذة بالاستعاذة كما تقدم، ويمكن أن يقال: إن التفريق بينهما إنما يكون عند الاجتماع لا عند الافتراق.
هذا ومما ينبغي أن يعلم أن قائل هذين البيتين قد ارتكب خطأ فاحشًا؛ لأنه صرف لب التجائه واعتصامه لغير الله تعالى.
وقد أنكر العلماء هذين البيتين، وشنعوا على قائلهما، وبينوا أنهما لا يليقان إلا بجناب الله تعالى، حتى إن بعضهم كان يقول عن نفسه:"ربما قلت هذين البيتين في السجود، أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع" ( ) .
النسبة بين الدعاء واللياذ: