الصفحة 66 من 748

فهذا الفرق بالنظر إلى أصل النداء؛ لكنه لا يتمشى مع الاستعمال القرآني المتقدم. والذي يظهر من سياق الآيات أن المراد من النداء فيها مطلق الدعاء، ومما يدل على أن النداء والدعاء معناهما واحد قول الحليمي- رحمه الله- بعد أن عرف الدعاء:"وهو أيضًا نداء قال الله عزوجل: بسم الله الرحمن الرحيم (( كهيعص ) ) [مريم:1] (( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ) ) [مريم:2] (( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) ) [مريم:3] وقال: (( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا ) ) [الأنبياء:89] ، وقال في آية أخرى: (( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ ) ) [آل عمران:38] ، ومعنى (رب) : يا رب. فثبت أن النداء دعاء" ( ) .

ومما يدل على اتحاد مفهومهما أيضًا أن الله سبحانه وتعالى عطف أحدهما على الآخر، عطف تفسير فقال: (( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ) ) [البقرة:171] ، وذكر الراغب الأصبهاني: أنه يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، ومثل لذلك بالآية السابقة ( ) .

ويظهر من هذا أن النداء قد يستعمل بمعنى الدعاء، فيتحد مفهومه مع مفهوم الدعاء، وقد يختلف بأن يراد من النداء ما يختص برفع الصوت، والدعاء أعم.

وهناك فرق آخر بينهما في الاستعمال اللفظي بأن النداء قد يقال: بيا أو بأيا أو نحو ذلك، من غير أن يُضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان ( ) .

2-الجؤار:

يقال: جأر إلى الله تعالى يجأر جأرًا وجؤرًا: رفع صوته مع تضرع واستغاثة.

والجؤار: رفع الصوت والاستغاثة، وأصله الصوت الشديد ( ) .

ومن استعماله بمعنى الدعاء قوله تعالى: (( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) ) [النحل:53] .

قال مجاهد: تضرعون دعاءً ( ) .

وقال السدي ( ) : تضجون بالدعاء ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت