فهرس الكتاب
من عجائب عاتكة بنت عمرو
كان عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قد تزوج عاتكة بنت عمرو بن نفيل، وكانت من أجمل نساء قريش، وكان عبد الرحمن من أحسن الناس وجهًا وأبرهم بوالديه. فلما دخل بها غلبت على عقله وأحبها حبًا شديدًا. فثقل ذلك على أبيه، فمر به أبو بكر يومًا، وهو في غرفة له، فقال: يا بني إني أرى هذه المرأة قد أذهلت رأيك، وغلبت على عقلك، فطلقها، قال:
لست أقدر على ذلك، قال: أقسمت عليك إلا طلقتها، فلم يقدر على مخالفة أبيه فطلقها، فجزع عليها جزعًا شديدًا، وامتنع عن الطعام والشراب، فقيل لأبي بكر أهلكت عبد الرحمن، فمر به يومًا، وعبد الرحمن لا يراه وهو مضطجع في الشمس ويقول هذه الأبيات:
فوالله لا أنساك ما ذر شارق ... وما ناح قمري الحمام المطوق
فلم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... إلا مثلها في غير شيء يطلق
لها خلق عف ودين ومحتد ... وخلق سوي في الحياء ومنطق
فسمعه أبوه فرق له وقال له راجعها يا بني، فراجعها، وأقامت عنده حتى قتل يوم الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه سهم فقتله، فجزعت عليه جزعًا شديدًا وقالت ترثيه:
فآليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فتى طول عمري ما أرى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت في الأسنة خاضها ... إلى القرن حتى يترك الرمح أحمرا
ثم تزوجها بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، ودعا الناس إلى وليمته، فأتوه، فلما فرغ من الطعام، وخرج الناس قال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ائذن لي في كلام عاتكة حتى أهنيها، وأدعو لها بالبركة، فذكر عمر ذلك لعاتكة، فقالت:
إن أبا الحسن فيه مزاح، فأذن له يا أمير المؤمنين، فأذن له، فرفع جانب الخدر. فنظر إليها فإذا ما بدا من جسدها مضمخ بالخلوق، فقال لها يا عاتكة: ألست القائلة:
فآليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
وقيل: إن عمر لما قتل عنها جزعت عليه جزعًا شديدًا، وتزوجت بعده الزبير بن العوام، وكان رجلا غيورًا، وكانت تخرج إلى المسجد كعادتها مع أزواجها، فشق ذلك عليه، وكان يكره أن ينهاها عن الخروج إلى الصلاة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، فعرض لها ليلة في ظهر المسجد وهي لا تعرفه، فضرب بيده عجيزتها ثم انصرف، فقعدت بعد ذلك عن الخروج إلى المسجد، وكان يقول لها: ألا تخرجين يا عاتكة؟ فتقول: كنا نخرج إذا الناس ناس وما بهم من باس، وأما الآن فلا.