فهرس الكتاب
وقال أحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطُها للتمليك، وإنما يجُوز لِحفظها لِصاحبها، فإن التقطها، عرَّفها أبدًا حتى يأتي صَاحبُها، وهذا قول عبد الرحمن بن مهدي، وأبى عُبيد، وهذا هو الصحيح، والحديثُ صريحٌ فيه.
قال شيخنا: وهذا من خصائص مكة، والفرقُ بينها وبين سائر الآفاق في ذلك، أن الناس يتفرَّقون عنها إلى الأقطار المختلفة، فلا يتمكن صاحبُ الضالةِ مِن طلبها والسؤالِ عنها، بخلاف غيرها من البلاد. 3/ 398
571 -ما الواجب لمن قتل له قتيل؟
في ذلك ثلاثة أقوال: وهى روايات عن الإمام أحمد.
أحدها: أن الواجب أحد شيئين، إما القِصاصُ، وإما الدِّيَةُ، والخيرةُ في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفوِ مجانًا، والعفوِ إلى الدِّيَةِ، والقِصاصِ، ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة. والرابع: المصالحة على أكثر من الدِّيَةِ، فيه وجهان. أشهرهما مذهبًا: جوازه. والثاني: ليس له العفو على مال إلا الدِّيَة أو دونها، وهذا أرجحُ دليلًا، فإن اختار الدِّيَة، سقط القودُ، ولم يملِكْ طلبَه بعد، وهذا مذهبُ الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك.
والقول الثاني: أن موجِبَه القَود عَيْنًا، وأنه ليس له أن يعفو إلى الدِّيَة إلا برضى الجاني، فإن عدل إلى الدية ولم يرض الجاني، فقَودُه بحاله، وهذا مذهبُ مالك في الرواية الأُخرى وأبى حنيفة.
والقولُ الثالث: أن موجِبَه القَودُ عَيْنًا مع التخيير بينه وبين الدِّيَة، وإن لم يرض الجاني، فإذا عفا عن القِصاص إلى الدِّيَة، فرضيَ الجاني، فلا إشكالَ، وإن لم يرض، فله العودُ إلى القِصاص عَيْنًا، فإن عفا عن القَود مطلقًا، فإن قلنا: الواجبُ أحدُ الشيئين، فله الديَة، وإن قلنا: الواجبُ القِصاص عَيْنًا، سقط حقُّه منها. ... 3/ 399
572 -على ماذا يدل قوله - صلى الله عليه وسلم: (إلا الإذخر) بعد قول العباس ذلك له؟
يدل على مسألتين:
إحداهما: إباحة قطع الإذَخِرَ.
والثانية: أنه لا يُشترط في الاستثناء أن ينويَه من أول الكلام، ولا قبل فراغه. ... 3/ 400 - 401
573 -أيهما أحق بالكراهة: الصلاة في المكان المصور أم الصلاة في الحمام؟
النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت، وصلَّى فيه، ولم يدخله حتى مُحيت الصورُ منه، ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصوّرِ، وهذا أحقُّ بالكراهة من الصلاة في الحمَّام، لأن كراهة الصلاة في الحمَّام، إما لكونه مَظِنَّة النجاسة، وإما لكونه بيتَ الشيطان، وهو الصحيح، وأما محلُّ الصور، فَمَظِنَّةُ الشِّرْكِ، وغالِبُ شرك الأُمم كان من جهة الصور والقبور. ... 3/ 402
574 -متى حرمت متعة النساء؟
اخْتُلِفَ في الوقت الذي حُرِّمت فيه المُتعة، على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يوم خَيْبَر، وهذا قولُ طائفة من العلماء. منهم: الشافعي، وغيره.
والثاني: أنه عامَ فتح مكة، وهذا قولُ ابنِ عيينة، وطائفة.
والثالث: أنه عام حُنَيْن، وهذا في الحقيقة هو القولُ الثاني، لاتصال غزاة حُنَيْن بالفتح.
والرابع: أنه عامَ حَجَّةِ الوداع، وهو وهم من بعض الرواة.
والصحيح: أنَّ المُتعة إنما حُرِّمت عام الفتح، لأنه قد ثبت في"صحيح مسلم"أنهم استمتعوا عامَ الفتح مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بإذنه، ولو كان التحريمُ زمنَ خَيْبَر، لزم النسخُ مرتين، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة، ولا يقعُ مثلُه فيها، وأيضًا: فإن خَيْبَر لم يكن فيها