فهرس الكتاب
والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردًا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّله ونهايته، فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود. ... 4/ 189
618 -ما علاج المصيبة؟
ومن علاجه أن ينظر إلى ما أُصيبَ به، فيجد ربه قد أبقى عليه مثله، أو أفضل منه، وادَّخر له إن صبرَ ورضِيَ ما هو أعظمُ من فوات تِلك المصيبةِ بأضعافٍ مُضاعفة.
ومن عِلاجه أن يُطفئَ نارَ مصيبته ببرد التأسِّي بأهل المصائب، وليعلم أنه في كل وادٍ بنو سعد، ولينظر يَمْنةً، فهل يرى إلا مِحنةً؟ ثم ليعطف يَسْرةً، فهل يرى إلا حسرةً؟
ومِن عِلاجها: أن يعلم أنَّ الجزع لا يردها، بل يُضاعفها، وهو في الحقيقة من تزايد المرض.
ومِن عِلاجها: أن يعلم أنَّ فوت ثواب الصبر والتسليم، وهو الصلاةُ والرحمة والهداية التي ضمِنَها الله على الصبر والاسترجاع، أعظمُ مِن المصيبة في الحقيقة.
ومِن عِلاجها: أن يعلم أنَّ الجَزَعَ يُشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويُغضب ربه، ويَسرُّ شيطانه، ويُحبط أجره.
ومِن عِلاجها: أن يُرَوِّح قلبه برَوْح رجاء الخَلَفِ من الله، فإنه من كُلِّ شيء عِوَض إلا الله.
ومِن عِلاجها: أن يعلم أنه لولا مِحَنُ الدنيا ومصائبُها، لأصاب العبدَ مِن أدْواء الكِبْرِ والعُجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سببُ هلاكه عاجلًا وآجلًا.
ومِن عِلاجها: أن يعلم أنَّ مرارةَ الدنيا هي بعينها حلاوةُ الآخرة، يَقلِبُها الله سبحانه كذلك، وحلاوة الدنيا بعينها مرارةُ
الآخرة. ... 4/ 190 - 195
619 -ماذا يتضمن قوله - صلى الله عليه وسلم: (ماضٍ فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك) ؟
متضمنٌ لأصلين عظيمين عليهما مدارُ التوحيد.
أحدهما: إثباتُ القَدَر، وأنَّ أحكام الرَّبِّ تعالى نافذةٌ في عبده ماضيةٌ فيه، لا انفكاكَ له عنها.
والثاني: أنه سبحانه عدلٌ في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده، بل لا يخرُج فيها عن موجب العدل والإحسان. ... 4/ 206 - 207
620 -ما تأثير الجهاد في دفع الهم والغم؟
أمَّا تأثيرُ الجهادِ في دفع الهم والغم، فأمرٌ معلوم بالوجدان، فإنَّ النفس متى تركتْ صائِلَ الباطل وصَوْلته واستيلاءَه، اشتد همُّها وغمُّها، وكربُها وخوفها، فإذا جاهدته لله أبدل الله ذلك الهمَّ والحُزْنَ فرحًا ونشاطًا وقوةً، كما قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) فلا شيء أذهبُ لجوَى القلب وغَمِّه وهَمِّه وحُزنه من الجهاد. 4/ 210
621 -اذكر هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام؟
أما المطعمُ والمشرب، فلم يكن مِن عادته - صلى الله عليه وسلم - حبسُ النفسِ على نوع واحد من الأغذية لا يتعدَّاه إلى ما سواه، فإنَّ ذلك يضر بالطبيعة جدًا، وقد سيتعذَّر عليها أحيانًا.
وكان إذا عافت نفسُه الطعامَ لم يأكله، ولم يُحمِّلْها إيَّاه على كُره، وهذا أصل عظيم في حفظ الصحة، فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه، ولا تشتهيه، كان تضرُّره به أكثر من انتفاعه.