فهرس الكتاب
قال له أبوه: إنني أردت تأديبك في يومك هذا بما امتحنتك به؛ لا تلق بهمَّتك على صغار الأمور بأن تسهِّل على نفسك تناول يسيرها؛ فيمنعك ذلك من كبارها، ولا تشتغل بما يقلّ قدرُه؛ فلا يكون فيك فضلٌ لما يَعْظُم قَدْرُه+. ا.هـ
فما مضى ذكره من الأخبار إنما هو نزرٌ يسيرٌ مما ورد من هذا المعنى في كتب السير والتراجم.
وهذه الأخبار تشير إلى معانٍ عظيمةٍ قد تغيب عن بال كثيرٍ من الناس؛ فتجد مَنْ يشغله أتفهُ سببٍ؛ فيغلق عليه ذهنه، ويأخذ بمجامع قلبه.
وقد يكون ذلك الإنسان عظيمًا، أومؤهَّلًا للعظمة، ثم تراه يشغل نفسه بأمورٍ صغيرة، فتأخذ بلبِّه، وتشغل وقته، وتستنفد طاقته، وتقطعه عن مصالح كثيرة كبيرة، كحال بعض التجار _على سبيل المثال_ حيث تراه يشغل نفسه بأمورٍ صغيرةٍ في ميدان تجارته، فتنال نيلها من أعصابه، وجهده، ووقته.
ولو أنه وكَلَ تلك الأمورَ الصغيرةَ إلى غيره ممن هم تحت يده، لكان خيرًا له، وأزكى لتجارته.
وقل مثل ذلك في شأن من يتولى ولاية؛ حيث ترى بعضهم يهلك نفسه في أمورٍ صغيرة، فإذا دهمته عظام الأمور لم يعد فيه بقيةٌ من جهدٍ لمواجهتها.
وترى في الناس من هو خلاف ذلك؛ فتجده لا يأبه للأمور اليسيرة، واللفتات الحانية، والجوانب الإنسانية التي ترفع من قدره، وتكمِّل عظمته، وتنهض بمروءته.
وترى مَنْ هذه حاله يعتذر لنفسه بأنه مشغول بأمورٍ عظيمةٍ كبيرة؛ لذا تراه لا يأبه بمحادثة الصغير، وملاحظةِ الغريب، والتواضعِ للمسكين.
والذي تقتضيه الحكمة أن يُفْرِغَ المرء نفسه لكبار الأمور، ولا ينسى _مع ذلك_ أن يقوم بصغارها، من غير أن يعطيها أكبر من حجمها.
وهكذا كان حال النبي"حيث كان يقوم بالمصالح العليا، ويُعنى بشؤون الأمة، وبتبليغ الدعوة، والجهاد في سبيل الله وما جرى مجرى ذلك من الأعمال الجليلة."