فهرس الكتاب
وركبت بنت مسعود إلى مربد البصرة تطالب بدم أبيها، وتوالت رجال من بني تميم ونساء من نسائهم على الأحنف بن قيس تستفزه؛ للأهبة، ولدفع الهائجين من الأزد وأنصارهم من ربيعة حتى أقاموا عنده البينة الشرعية على اعتداء الأزد على بعض الضعفاء.
وحصلت مداولات بين الأزد والأحنف يطول تفصيلها، واتفقوا على الدية، حيث قال معشرُ الأزد للأحنف: أتدون صاحبنا عشر ديات؟ فقال الأحنف: هي لكم.
ثم ندب الأحنف ابن أخته إياس بن قتادة بن موألة العبشمي _أحد بني عبد شمس بن سعد بن زيد مُناة بن تميم_ ليحمل من أغنياء تميم حَمَالاتِ تلك الفتنة: ديةَ مسعود المضاعفة عشرة أضعاف، وديات غيره من عامة الناس الذين ذهبوا ضحايا الفتنة.
قال إياس: فَجَهِدْت أن يقوم لي بهذه الحمالات أهلُ الحضر؛ فلم يفعلوا، ولم يغنوا فيها شيئًا، فخرجت إلى البادية؛ فحملوا يرمونني بالبَكْر _ أي بالبعير _ وبالاثنين، حتى اجتمع لي من حمالتي سوادٌ صالح، وصِرْتُ بالرمل إلى رجلٍ ذُكِر لي، فلما دفعتُ إليه إذا هو رجل أسَيود، أفيحج، أعيسر، أكيشف [1] ، فلما انتسبت له، وذكرت له حمالتي قال: قد بلغني شأنك؛ فانزل!
قال إياس: فو الله ما قَرَاني، ولا برَّ علي، فلما كان من الغد أقبلت إبله لوردها، فإذا الأرض مُسْوَدَّةٌ، وإذا هي لا تَرِدُ في يوم لكثرتها، وقد ملأ غِلْمَانُه حياضَه، فجعل كلما ورد رِسْلٌ من إبله جاء يعدو حتى ينظر في وجهي فيقول: أنت حويمل بني سعدْ؟
ثم يخرج يَرْقُصُ؛ فأقول في نفسي: أخزى الله هذا، وأخزى من دلني عليه!
حتى إذا رويت الإبل وضربت بعطن _أي بركت بأعطانها_ نادى الرجل: أين حويمل بني سعد؟
قلت: قريب منك!
قال: هات حبالك!
(1) _ الفحج: تباعد ما بين أوساط الساقين، والنعت منه (أفحج) والتصغير للتحقير، ولذلك قال: أسيود أي أسود، وأعيسر أي أعسر لا يستعمل يده اليمنى، والأكيشف تصغير الأكشف: وهو الذي له شعرات ثائرة في قصاص ناصيته، والعرب تتشاءم به.