فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 161

فما ترك حبلًا إلا ملأه بقرنين من إبله، ثم يقول: هات حبالك!

فجئنا بمرائر محالبنا، وأرشية دلائنا، وأروية زمائلنا، وما زال يقول: هات حبالك!

حتى حَلَلْنا عُصَمَ قِرَبِنَا، وعُقُلَ إبلنا، وخُطُمَها؛ فملأها لنا، ثم قال: حبالك!

قلت: لا حبال.

فقال إياس: قد عرفت من دقة ساقيك أنه لا خير عندك _ أي أن إياسًا؛ لبخله يحسب الناس كلَّهم بخلاء؛ فلم يستعد الاستعداد الكافي لاستقبال الخير والكرم _.

وعاد إياس بن قتادة إلى خاله الأحنف في البصرة بما معه من الخيرات، فودَّى بنو تميم مسعودَ بنَ عمرو بعشر ديات، وباوؤوا بين القتلى، وتم الصلح.

والشاهد من هذه الحادثة التاريخية أن إياس بن قتادة أساء الظن باديَ الرأي بالرجل الذي ذهب إليه، وحكم عليه من أول وهلة، ولكن ذلك الرجل أخلف ظنه _كما مر_.

وهذه الحادثة تُذَكِّر بحال كثيرٍ من الناس، فتراه يعطي حكمه بادئ الرأي جزافًا، فيقطع بأن هذا الرجل فيه وفيه من العيوب، وذلك بسبب موقف واحد، أو اجتهاد معين، أو كلمة سمعها عنه؛ فيجعل ذلك ذريعة للزهد به، والوقيعة فيه، وَوَصْمِه بتلك النقيصة.

وبعد ذلك لا يقبل منه عدلًا ولا صرفًا.

ولا ريب أن هذا الحكم الظالم، والرأي الفطير لا يصدر من ذي عقل، وروية، وإنما هو دأب ذي العجلة، والتسرع، والنظر القاصر.

فالذي تقتضيه الحكمة أن يُبسط العذر لمن أخطأ، ويُفتح الباب لمن أراد معالجة خطئه، ويُنظر إلى الإنسان من كافة الوجوه، ويُغَلَّب جانبُ إحسان الظن، والنظر إلى المحاسن.

وقد يعذر الإنسان إذا وقع في قلبه ما وقع عن إنسان بسبب تصرف معين، وقد يكون ذلك التصرف علامة رامزة على ما يتصف به ذلك الإنسان.

ولكن التثبت والتأني هو المتعين في مثل تلك الأحوال.

خصوصًا إذا كان الشأن مع الأفاضل والأكابر والعلماء.

وقد لا يلام الإنسان إذا أثنى خيرًا، ووصف بالفضل من رأى منه موقفًا حسنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت