فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 161

بل إن ذلك يعد من مكارم الأخلاق، ولأنْ تخطئ بالعفو خير من أن تخطئ بالعقوبة.

لو تأملت أكثر الناس لوجدت أن في داخل كثير منهم شعورًا بالهضم، وأنهم قد نِيْلَ منهم، ولم يُعرف قدرهم، وأنهم يستحقون أكثر مما هم فيه من المكانة.

والناسُ في ذلك ما بين مقل ومستكثر، وقلَّ من يسلم من ذاك الداء.

ولعل من أسباب ذلك الخاطر أن بعض الناس يبالغ في تقدير ذاته ومواهبه؛ فيتوهم أن غيره يسيء إليه حين لا يعطيه ما يستحقه من الإجلال والتقدير؛ لتلك المواهب الفذة النادرة التي قد لا يوجد لها مثيل _بزعمه_.

ولكن إذا أدرك الإنسان أن ذلك الظن ليس في محله، وأن الناس قد لا تعنيهم مواهبه وقدراته في قبيل ولا دبير وإن كانت تستحق الإشادة والتقدير _ خفَّ عليه ما يجده في نفسه، بل ربما زال ذلك بالكلية.

وإذا تكامل عقل المرء، وطمحت نفسه إلى المعالي _ لم يعد يبالي بأن يعرف قدره أو لم يعرف؛ لعلمه بأن جمال الشيء فيه لا فيما يقال عنه أيًّا كان القائلون.

بل إن العاقل المتواضع يشعر دائمًا بأنه أعطي فوق قدره، ولو كان _في الحقيقة_ يستحق أكثر مما أعطي.

وإذا أراد الإنسان الراحة من ذلك؛ فليتعامل مع من لا يخفى عليه السرُّ وأخفى، ومن لا يضيع لديه عَمَلُ عامل، ومن يحفظُ للإنسان مثاقيل الذر.

فإذا استحضر هذا المعنى هان عليه ما يقال فيه، وانتظر ذلك الجزاء من الشكور الحليم الذي يضاعف أجر المحسنين، ويتجاوز عن تقصير المقصرين.

قد تمر بك لحظات ضعف؛ فيخيل إليك أن قواك قد خارت، وأنه لم يَعُدْ بك قدرة على المجاهدة، والصبر ومواصلة العمل؛ فلا تستسلم لهذا الخاطر؛ فإن للنفوس إقبالًا وإدبارًا؛ فلعل ذلك الإدبار يعقب إقبالًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت