فهرس الكتاب
الثرثارون الطعانون يقضون أعمارهم في حسرة, ولا يأتون ما ينفعون به أنفسهم ولا غيرهم, ورأيت منهم جماعاتٍ ماتوا بغيظهم, وكان مَنْ نجحوا مِنَ الفريق الذي يقلل من الاعتراض+.
وقال: =ونصح لي أستاذي لما أصدرت مجلة (المقتبس) في القاهرة ألا ألتفت إلى المشاغبين ولا أكترث بهم, وإن جَلُّوا؛ فإن الحكيم من يسعى إلى تمام القصد, وأقل ما يستفيد المشاغبون إضاعة وقت من اكترث بهم وإن قلَّ؛ فالوقت ثمين.
قال: أقبل على شأنك واعرف مقتضى زمانك, ولا يمنعك تنكيت المنكتين المكبتين من تنبيهك على غلط فرط منك فيما سلف, وكلما عثرت على شيء من ذلك في عدد فنبه عليه فيما يلي؛ فإن ذلك أقرب إلى الاعتماد على ما تكتب، وأكثر العلماء الذين انتفع الناس بكتبهم كانوا على هذه الطريقة+.
وقال الأستاذ محمد كرد علي: =وإذا لاحظ الهجَّاؤون أَن هجاءهم مما تنخلع له قلوب المهجوين زادوا وأفرطوا، وإذا أيقنوا أن صاحبَ النَّفْسِ العظيمةِ لا يأبه كثيرًا لما يقال فيه يحاذرون صَرْفَ أوقاتِهم فيما لا يجدي عليهم.
وقد رأينا العلي المنزلة النزيه في ذاته لا يعبأ بثرثرة الثرثارين مدحًا كان أم قدحًا، ورأينا هذا الضربَ من الأقوال خفَّ الاهتمامُ به في عهدنا؛ لأن الناسَ تعلموا، والمتعلمُ يخجل أَن يصفِّق للباطل، وأن يهرب من الحق+. ا.هـ
وهكذا يتبين أن المبالاة بكلام الناس أو عدمها ليس على وتيرة واحدة؛ وليس محمودًا أو مذمومًا بكل حال.
قال الله _تعالى_ في شأن المرأة المعلقة التي يهجرها زوجها هجرًا طويلًا: [فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ] أي: لا متزوجة ولا مطلقة؛ وذلك لما في التعليق من المفاسد الكثيرة.
وفي هذا إشارة إلى المبادرة إلى الحسم، وإصلاح الشأن إما بالوفاق، أو الفراق، بعد أن تُتخذ الوسائل المشروعة.
ولعل ذلك المعنى لا يقف عند مسألة الزوجية، بل ربما يتعداه إلى أمورٍ كثيرة من شأنها أن تزيد المشكلات تعقيدًا، أو تنشئها إن لم تكن موجودة أصلًا.