فهرس الكتاب
والعجيب أن ترى أن اثنين من أهل العلم قد يكون بينهما خلاف حول مسألة أومسائل، وتجد أتباعهما يتعادون، ويتمارون، وكل فريق يتعصب لصاحبه مع أن صاحبي الشأن بينهما من الود، والصلة، والرحمة الشيء الكثير!
وأخيرًا لنستحضر أن ذلك امتحان لعقولنا وإيماننا؛ فلنحسن القول، ولنحسن العمل، ولنجانب الهوى.
تعجب أشد العجب من كثير من المتخاصمين الذين يَرُدُّ بعضهم على بعض سواء عبر الكتب، أو الصحف والمجلات؛ حيث يستطيع الواحد منهم أن يقابل المخالف له، أو يتصل به، ثم لا يحصل شيء من ذلك.
وقل مثل ذلك في حقِّ من يكون بينهم مشكلة، أو عداوة؛ فينال كل واحد منهم نيله من الآخر.
ولو حصل اللقاء، وأُحيط بجوٍّ من الإخاء، وحسن الظن، وسماع كل طرف من الآخر _ لحصل خير كثير، ولربما خفَّت حدَّةُ الخلاف، أو تلاشت؛ لأن اللقاء _كما يقول ابن حزم×_ يُذهب السخائم.
ولكن الذي يحصل خلاف ذلك؛ حيث يستمر التنازع مدة طويلة دون وصولٍ إلى نتيجة، فيُشغل الناسُ بتلك الردود، وتتسع هوة الخلاف، وتدخل الأغراض الشخصية.
والأعجب من ذلك ألا ينبري _في الأغلب_ من يوقف ذلك النزيف، ويضمد تلك الجراح، ويدعو الأطراف إلى كلمة سواء.
ولو حصل ذلك لكان خيرًا وأشد تثبيتًا.
اعتاد الناس إذا تحدثوا عن ماضيهم ولو كان قريبًا أن يفضلوه على الحاضر بإطلاق؛ وذلك لحبهم الماضي، وحنينهم إليه.
والحنين للماضي _في الجملة_ معدود في خصال المروءة.
ولكن تفضيل الماضي على الحاضر بإطلاق ليس دقيقًا، ولا منضبطًا، ولا مطابقًا للواقع بكل حال.
وأذكر أن الحديث في يومٍ ما دار حول رمضان في الماضي والحاضر، وهل رمضان الآن خير مما كان في الماضي أو العكس؟
فكانت الإجابة المتوقعة أن يُقال: إن رمضان في الماضي خيرٌ منه في الحاضر.
ولا يُقصد _بالطبع_ برمضان ما كان عليه السلف الأوائل، وإنما المقصود به ههنا ما كان قبل سني الطفرة، أو بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري.