فهرس الكتاب
بل قد يقود إلى تفريط آخر, وهذا مشاهد محسوس؛ فتجد من الطلاب _ على سبيل المثال _ من يقصر في نحو الحضور, أو أداء الواجبات؛ وبدلًا من الاعتذار وتدراك التقصير تجده يتهرب, ويحذر من المواجهة؛ فيترتب على ذلك تقصير أعظم من الأول بمراحل وهكذا...
وتجد من الناس مَنْ يُسْنَدُ إليه عملٌ إما من قبل عمله الرسمي, أو من قِبَل من يتفق معه على عمل معين؛ فربما قصر في العمل, أو تأخر عن إنهائه في الوقت المحدد؛ فتراه بعد ذلك يبالغ في جلد ذاته, واتهام نفسه بالإخفاق, فينتج عن ذلك قطيعة, وترك للعمل, وحذر من المواجهة, بل ربما أدى ذلك إلى مرض نفسي مزمن يزيد مع الأيام.
وصفوة الكلام في هذا السياق أن يحرص المرء على أداء عمل بكل أمانة وإتقان، وإذا قصر فيه _وهو عرضة لذلك_ فليتدارك تقصيره, وليعتذر عن خطئه, ثم بعد ذلك يواصل عمله, ويحسن ظنه بنفسه, ويكف عن جلد ذاته, والمبالغة في تقريع نفسه [وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا] (النساء:29) .
=وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن+.
يقول الله _ عز وجل _ في سورة الشورى: [وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) ] الشورى.
هذه الآية واضحة في دلالتها؛ حيث يبين الله _عز وجل_ أنه ينزل الغيث عند اشتداد حاجة الناس، وعندما تبلغ بهم الشدة مبلغها، ويسيطر اليأس على القلوب؛ فتلك سنة الله _ عز وجل _ فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا.
هذا في شأن الغيث، وغيره، وهكذا الأمر في شأن الذنوب؛ حيث يبلغ اليأسُ بالعبد مبلغه عندما يتمادى فيها، وربما يوقعه الشيطان في القنوط من رحمة الله، فيرى ذلك المذنب أن لا سبيل إلى التوبة، وأنه ممن كتبت عليه الشقاوة؛ فما يلبث أن يتلافاه الله برحمته، ويمن عليه بنفحة من نفحاته؛ فإذا السعادة تقبل عليه، وإذا أنوار الهداية تملأ ما بين جنبيه.