فهرس الكتاب
هذا في شأن الأفراد، وقُلْ مثل ذلك في شأن الجماعات؛ فالله _ عز وجل _ ينشر رحمته، وهو الولي الحميد.
جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ÷ قول النبي": =فإن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه+ الحديث."
هذا الحديث يطول شرحه، وقد اعتنى شرَّاح الصحيحين في ذلك.
والكلام في هذه الخاطرة إنما هو حول قوله _عليه الصلاة والسلام_: =كالراعي يرعى حول الحمى...+.
فقد بيَّن العلماء الأوائل من شرَّاح الصحيحين كالنووي، وابن رجب، وابن حجر _رحمهم الله_ أن النبي"مَثَّل المثلَ لمحارم الله بالحمى الذي يحميه المَلِكُ من الأرض، ويمنع الناس من الدخول فيه؛ فمن تباعد عنه توقى سخط الملك، وعقوبته، ومن رعى بقرب الحمى فقد تعرض لمساخط الملك، وعقوبته؛ لأنه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى."
قالوا: وفي هذا دليلٌ على سد الذرائع، والوسائل، والمحرمات، ثم ضربوا أمثلةً لذلك مما هو شائعٌ في وقتهم، فمثَّلوا بالخلوة بالمرأة الأجنبية، وبشرب قليل ما يسكر كثيره، وبالنهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر؛ خشية الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبمنع من تحرك القُبلة شهوته في صيامه، ومثلوا كذلك بما يُضَمَّن مَنْ سيَّب دابته نهارًا بقرب زرع غيره فتفسده، أو أرسل كلبه للصيد في الحل بقرب الحرم، فدخل الحرم فصاد؛ فإنه يضمن في الصورتين على الأصح.
وفي عصرنا هذا شاعت صورٌ كثيرةٌ من هذا القبيل، بل إن من الناس من ارتكس في الحمأة، وهو يحسب أنه يحوم حول الحمى.
فمن صور ذلك ما تراه من التحايل في أكل المال؛ حيث يبدأ الإنسان وهو يحاذر من الوقوع في الحرام، ثم يتدرج به الشيطان فيوقعه في المشتبه، ثم يوصله إلى الحرام المحض بعد أن يغرق في الدين إلى الأذقان.