فهرس الكتاب
كما عليه أن يقطع صلته بكل ما يذكره بالمعصية من أماكن الخنا، ومنتديات الرذيلة التي تغريه بها، وتدعوه إليها؛ فالشيء إذا قطعت أسبابه التي تمده زال واضمحل؛ فالقرب من المثيرات بلاء وشقاء، والبعد عنها جفاء وعزاء؛ فكل بعيد عن البدن يؤثر بعده في القلب؛ فليصبر على مضض الفراق صبر المصاب في بداية المصيبة، ثم إن مرَّ الأيام يهوِّن الأمر، خصوصًا إذا كان ذلك مما يثير العشق والغرام، قال زهير بن الحباب الكلبي:
إذا ما شئت أن تسلو حبيبًا ... فأكثر دونه عدد الليالي
فما سلى حبيبك غيرُ نأي ... ولا أبلى جديدك كابتذال
وقال امرؤ القيس:
وإنك لم تقطع لبانة عاشق ... بمثل رواح أو غدوٍّ مأوِّبِ
ومن البعد عن المثيرات أن يبتعد الإنسان عن الفتن _كما مر_ لأن البعد عنها نجاة وسلامة، والقرب منها مدعاة للوقوع فيها.
قال ابن الجوزي×: =من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادعى الصبر وكل إلى نفسه، وربَّ نظرةٍ لم تناظِر [1] .
وأحقُّ الأشياء بالضبط والقهر اللسانُ والعينُ؛ فإياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة؛ فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب.
فَتَبَصَّرْ ولا تَشَمْ كلَّ برقٍ ... رب برق فيه صواعق حَيْنِ [2]
واغضضِ الطرفَ تَسْتَرح من غرام ... تكتسي فيه ثوب ذلٍّ وشين
فبلاء الفتى موافقة النفـ ... ـس وبدءُ الهوى طموح العين+
وقال×: =ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة، وقل أن يقاربها إلا من يقع فيها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه+.
(1) _ لم تناظر: أي لم تمهل، فأصابت بسهم، أو أوقعت في الفتنة.
(2) _ لا تشم: شام البرق: نظر إليه أين يقصد ويمطر. ومعنى حَيْن: أي هلاك، والمعنى تبصر، وتنبَّه، ولا تركن إلى ظواهر الأمور؛ فربما كان فيها هلاكك.