فهرس الكتاب
ومن المثيرات التي يجدر بالإنسان تجنبها فضول الطعام، والمنام، ومخالطة الأنام؛ فإن قوة المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات؛ فإنها تطلب مَصْرفًا، فيضيق عليها المباح، فتتعداه إلى الحرام.
ومن البعد عن المثيرات البعد عن الكتب التي تحرك نوازع الشر، وتحبب الفساد لقرائها، كما في بعض كتب الأدب التي تحتوي على الكلام البذيء، والأدب المكشوف الذي يستقر في الأدمغة استقرار البارود.
وهل الأدب المكشوف إلا سوءة من سوءات الفكر؟ حتى إن الخمر التي لا ينازِع في مفسدتها إلا مَنْ غرق بسكرة الجهل والغواية _ وجَدتْ من يصفها بأبدع الأوصاف؛ فكثير من الشعراء قد طغى به الإبداع في المقال إلى أن نسقوا في مديحها صفات الخيال، وضربوا للتنويه بشأنها الأمثال، فاستهووا لمعاقرتها عبيد الخيال، والشعراء يتبعهم الغاوون.
ومن أعظم المثيرات التي يجدر بالعاقل تجنبها _ المعاكسات الهاتفية؛ فهي من أشد ما يجر إلى البلايا؛ فقد تكون الفتاة حَصَانًا رزانًا لا تُزَنُّ بريبة، ولا تحوم حولها شبهة، وهي من بيت طهر وفضيلة، قد جلله العفاف، وأُسْدل عليه الستر.
فما هو إلا أن تتساهل في شأن الهاتف، وتسترسل في محادثة العابثين حتى تقع فيما لا تحمد عقباه؛ فربما وافقت صفيقًا يغْتَرُّها بمعسول الكلام، فَتَعْلَقُه، وتقع في أشراكه؛ ولا يخفى أن الأذن تعشق قبل العين أحيانًا.
وربما زاد الأمر عن ذلك، فاستجر الفتاة حتى إذا وافق غِرَّتَها مَكَرَ بِها، وتركها بعد أن يلبسها عارها.
وربما كانت المبادرة من بعض الفتيات؛ حيث تمسك بسماعة الهاتف, وتتصل بأحد من الناس إما أن يكون مقصودًا بعينه، وإما أن يكون الاتصال خَبْطَ عشواء؛ فتبدأ بالخضوع له بالقول، وإيقاعه في حبائلها.