{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] .
والتقوى زاد لا غنى للجماعة المسلمة عنه.
إن سعينا وجهادنا لإقامة دين الله لن يوفق بغير تقوى، إن عملنا سيرد علينا إن لم تصاحبه التقوى، إن ابني آدم قدما قربانا، فتقبل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر، لماذا؟ لأنه، {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 29] ، لقد جعلت التقوى أحد القربانين أهلا لأن يتقبله الله، بينما وقف القربان الثاني عاريا عن التقوى فرد على صاحبه ولم يتقبل منه، فكم من ساع وكم من عامل وكم من متكلم وكم من مقاتل ترد عليهم أعمالهم ولا تقبل لأنها لم تخرج من مشكاة التقوى.
ثم إن التقوى شرط كذلك لنجاح السعي في الدنيا ووصوله لهدفه، واسمع معي قول موسى عليه السلام لقومه الذي حكاه القرآن: {استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 127] .
إن النصر والتمكين لا يكونان مطلقا ولا يتحققان إلا بالتقوى {والعاقبة للمتقين} .
كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص أمير الجند في حرب الفرس فقال: (أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى العدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لا عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا) .
إن تأييد الله لعباده وإمداده إياهم بالعون والملائكة مرتهن بالتقوى، {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} [آل عمران: 125] .
وصدق ابن رواحة يوم مؤتة: (والله ما نقاتل الناس بعدد ولا عدة وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به) .
إن البون شاسع بيننا وبين أعدائنا في العدد والعدة ومختلف أسباب القوة غير أن الله تعالى قد أعطانا ما نستطيع به أن نطوي هذه الهوة الشاسعة وأن ننتصر رغم قلتنا وقلة عدتنا على الأعداء، منحنا سبب النصر الأكبر، {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] .
قال محمد بن إسحاق: (فرقانا؛ فصلا بين الحق والباطل) .
{فرقانا} ؛ نعرف به الحق من الباطل، نعمل به بالحق ونجتنب الباطل، ننصر به الحق وننتصر على الباطل.
قال ابن كثير: (من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره وفق لمعرفة الحق من الباطل وكان ذلك سبب نصرته ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه) .
فالتقوى هي مفتاح الخلاص لنا من كل ما تحياه أمتنا من ضعف وتخلف وهوان، هي السبب الذي إذا أخذنا بها يسرت لنا كل أسباب النصر والتوفيق وصرفت عنا كل عوامل الهزيمة والخذلان.
هي التي تأخذ بيدنا وتهدينا للحق، وتجعلنا نحبه وننزل عليه ونعمل له وبه، متجردين لله وهي التي تعصمنا من الزيغ، وهي التي تكفل لنا النصر على أعداء هم أشد منا قوة وأكثر أموالا وعددا وعتادا.
وهي التي تنقذنا بإذن الله من كل ضيق وكرب وكم من ضيق وكرب تقع فيه الجماعة المسلمة هذا الزمان حيث طوابير الأعداء متربصة، {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2 - 3] ، {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} [الطلاق: 4] .
وهي التي تجعلنا نلتزم بأمر الله ورسوله وإن كانت فيه المشقة، هي التي تجعلنا نلتزم بجماعتنا ونسمع ونطيع لأمرائنا ولا نعصيهم في معروف.