من أجل هذا كله وغيره أمرنا الله تعالى بالتقوى وجعلها خير زاد لنا، {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} [البقرة: 197] ، ولئن كان لكل طريق زاده، فإن الطريق إلى الله له زاده الذي لا يصلح غيره زادا، {فإن خير الزاد التقوى} ، هو الزاد الذي إن فقدناه لم نقو على المضي في الطريق إلى الله، إن فقدناه انقطعنا وتوقف أو انتكس سعينا.
وما أحسن قول نبينا صلى الله عليه وسلم في توديع أحد صحابته قبل سفره: (زودك الله بالتقوى) [رواه البخاري والترمذي] .
وكأني به يشير إلى أن التقوى زاد للمسلم في كل سفر وفي كل طريق وفي كل عمل.
والتقوى هي كما قال الإمام علي رضي الله عنه: (هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل) .
عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منه القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال:"أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد ...") [رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة] .
وعن أبي سعيد الخدري قال: (قلت: يا رسول الله أوصني، قال:"عليك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء") .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا؛ على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا.
ولأهمية التقوى البالغة كان السلف يتواصون بها دوما ...
فهذا أبو بكر رضي الله عنه تحضره الوفاة فيعهد بالخلافة إلى عمر بن الخطاب ويوصيه بوصية جامعة قبل موته فيكون أول قوله: (اتق الله يا عمر) .
وكتب ابن الخطاب إلى ابنه عبد الله فقال: (أما بعد؛ فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه من اتقاه وقاه ومن أقرضه جزاه ومن شكر زاده، واجعل التقوى نصب عينك وجلاء قلبك) .
ولكن من هم المتقون؟ وما هي صفاتهم؟
قال معاذ بن جبل: (ينادى يوم القيامة أين المتقون؟ فيقومون في كنف الرحمن لا يحتجب عنهم ولا يستتر) ، قالوا له: من المتقون؟ قال: (قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان) .
وقال الحسن: (المتقون اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما افترض الله عليهم) .
وقال ابن أبي الدرداء: (إتمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما) .
وقال سفيان الثوري: (إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى) .
وقال ميمون بن مهران: (التقي أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه) .
فالمتقون قوم جمعوا كل خصال الخير والبر.
وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم: (عليكم بتقوى الله فإنه جماع كل خير) .
وفي الحديث ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: (التقوى هاهنا) ، ويشير إلى صدره ثلاث مرات.
فما هو السبيل إلى تحصيل هذا الزاد؟ وكيف نزود قلوبنا به؟
كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: (أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يقبل غيرها ولا يرحم إلا أهلها ولا يثيب إلا عليها فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل) .
فكيف نصير من العاملين بها؟
إنها لمهمة شاقة حقا ولكن ما أيسرها على من يسر عليه ربه، وما أيسرها على من أقدم على ربه بقلبه.
وأول خطوة على هذا الدرب؛ تكون بتضريع القلب من كل باطل، تضريع القلب من كل ما سوى الله تعالى، فلا يبقى في القلب إلا الله وطاعته وذكره وشكره، ومحبته والخوف منه والتوكل عليه، فالقلب كالإناء إن امتلأ بشيء لم يقبل غيره حتى يتم تفريغه من الأول، وكذا القلوب إذا كان فيها معبود غير الله لم يكن لله تعالى فيها مكان حتى يخرج أولا منها كل معبود سواه.