فالقلوب المشحونة بحب الدنيا بعيدة عن الله، والقلوب الممتلئة بالشهوات بعيدة عن الله، والقلوب المشركة بعيدة عن الله، والقلوب المريضة بداء العشق بعيدة عن الله، فمن أراد أن يكون الله هو إلهه ومعبوده وأن يمتلأ قلبه بحب الله ورجائه والخوف منه والتوكل عليه فليخرج من قلبه أولا كل معبود باطل ولينخلع من كل متعلقاته وأهوائه.
تسألني كيف السبيل إلى ذلك؟ أقول لك إنها القومة لله تعالى المذكورة في قوله جل وعلا: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} [سبأ: 46] .
إنها قومة القلب لله تعالى وتفكره وتدبره في آيات المولى عز وجل، في القرآن، وفي آياته المرئية وهي الكون بأسره وما حواه، ويردد القلب بصيرته بين هذه وتلك فيجد آيات القرآن تخبره أن لا إله إلا الله وتبرهن له أن كل معبود سوى الله باطل، ولا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا، ويجد أن الكون كله يصرخ بأن الخالق واحد وأنه له حكيم عليم قدير خبير لطيف قوي عزيز.
وعندها يعلم القلب ويوقن أنه لا إله إلا الله، وأنه سبحانه أهل لأن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.
ولكن هل يكفي هذا العلم ليعكف القلب بعده على ربه رغبة ورهبة وإنابة وتوكلا وحبا وخشية؟
لعمر الله إنه يكفي للقلوب السليمة، أما القلوب التي طالت غوايتها وطال تعبدها لغير الله فإنها ستعلم أن لا إله إلا الله ولكنها ستظل تؤثر هواها عل رضا ربها، ستظل عاكفة على معبوداتها الباطلة رغم علمها أن ذلك لا يحل لها، فما هو دواؤها إذن؟
دواؤها أن يقف العبد ثانية ويتفكر، يتفكر في أن الدنيا زائلة لا محالة وأن الآخرة باقية أبدية ويسأل نفسه أيهما أولى بأن يعمل لها الدنيا، أم الآخرة؟!
يتفكر في مكوثه وحيدا في قبره ليس معه إلا عمله ولا أحد يملك أن ينفعه بشيء أو يضره.
في الحديث: (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله) [رواه البخاري ومسلم] .
يتفكر في وقفته بعد ذلك بين يدي ربه وحيدا؛ {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] ، {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} [مريم: 93] .
يتفكر في منصرفه من بين يدي ربه إلى جنة عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر أو إلى جهنم وساءت مصيرا.
فإن أراد الله بعبد خيرا وفقه وأعانه على هذه القومة المتجردة، فسرعان ما يخبت العبد وينيب ويعود قلبه ليسجد بين يدي خالقه وإلهه سجدة لا يقوم بعدها أبدا، سجدة عبودية لله تعالى لا يرفع رأسه بعدها قط إلى أن يلقى ربه فيجازيه بأحسن ما عمل ويتجاوز عن أسوأ الذي كان يعمل.
فهذا هو طريق تنقية القلوب، فالقلوب المتجردة لله تعالى هي حقا القلوب التقية، ويخطئ من يظن أن الجوارح لا دخل لها في اكتساب التقوى وتحصيلها وأن الأمر مداره على القلوب فقط، لا والله، فإن الجوارح لها أكبر الأثر في القلوب فلابد من كف الجوارح عن المعاصي وإن كانت النفس تتوق إليها، ولابد من حمل الجوارح على الطاعات وإن كانت النفس لا تميل لها ...
فبالمجاهدة يتغير الحال ويحبب الله إلى العبد الطاعة ويبغض إليه المعصية، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] .