{قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] ، {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] .
إن الجماعة المسلمة التي تعمل لإعلاء كلمة الحق وتقوم بأمر الله عز وجل، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتذود عن دين الله وتسعى لإعادة الخلافة وتهدف إلى تعبيد الناس لربهم؛ لفي أمس الحاجة إلى العلم الذي يهديها ويبين لها كيف تعمل.
ألم ترث الجماعة المسلمة هذه المهام والواجبات عن رسولها صلى الله عليه وسلم؟ فكيف لا تأخذ من ميراثه صلى الله عليه وسلم الزاد الذي يعينها ويبلغها هدفها؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) .
وما أجمل مقالة معاذ بن جبل رضي الله عنه في العلم: (وبه توصل الأرحام، ويعرف الحلال من الحرام، وهو إمام والعمل تابعه، ويلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء) .
إن أرادت الجماعة المسلمة العمل لدين الله فعليها بالعلم، تتعلم عقيدة سلفها الصالح لئلا تضل وتبدع، عليها بالعلم تفهم به دينها الذي تريد أن تعمل له، عليها بالعلم تتعلم كيف تدعو {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [يوسف: 108] ، تتعلم كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، متى يجوز ومتى لا يجوز، تتعلم كيف تجاهد ومن تقاتل؟ تتعلم من الذي يجوز أو يجب الاتحاد معه ومن الذي تجب مفارقته ويحرم الاجتماع معه؟
فإن أبت الجماعة المسلمة أن تتعلم أفسدت ولم تصلح، أضرت ولم تنفع، انهزمت ولم تنتصر، خسرت ولم تربح، ضلت ولم تهتد، فإن العابد بغير علم كالسالك على غير سبيل،
وصدق ابن رجب الحنبلي إذ يقول: (من سلك طريقا يظن أنه طريق الجنة بغير علم فقد سلك أعسر الطريق وأشقها ولا يوصل إلى المقصود مع عسره ومشقته) .
فمن أراد السير إلى الله والدار الآخرة فعليه بالعلم، فإن حاجته إلى العلم أشد من حاجته إلى الطعام والشراب.
وفي الحديث: (من سلك طريق يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) .
قال ابن رجب في شرح هذا الحديث: (العلم يدل على الله ومن أقرب الطرق وأسهلها، فمن سلك طريقه ولم يعرج عنه وصل إلى الله وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها) .
من أراد أن يكون من المتقين فالعلم طريقه إلى التقى.
قال بعض السلف: (كيف يكون متقيا من لا يدري ما يتقى؟!) .
وقال معروف الكرخي: (إذا كنت لا تحسن التقى أكلت الربا) .
وقال ابن رجب: (أصل التقوى أن يعلم العبد ما يتقى ثم يتقي) .
من أراد أن يكون من المتوكلين فليتعلم ما هو التوكل لئلا يترك الأخذ بالأسباب المشروعة فيعصي بذلك وهو يحسب أنه متوكلا، كمن خرج مجاهدا بغير سلاح بحجة التوكل!
ومن أراد أن يكون من الصابرين فالعلم مطيته لذاك الهدف، لئلا يقع في الذلة والهوان ظنا منه أن الصبر هو ذاك.
لم يدع العلم عملا إلا وكان الهادي إليه والمرشد له سواء عمل القلب أو الجوارح، فالعلم باب كل عمل وقد أمرنا أن نأتي البيوت من أبوابها.
من أجل هذا ارتفعت منزلة العلماء وصاروا ورثة الأنبياء ولم يسوي القرآن بينهم وبين غيرهم، {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] ، بل حصر الخشية وقصرها على أهل العلم: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] .
ومن أجل هذا كانت الأهمية البالغة للعلم والعلماء حتى قيل إن عالما واحدا أشد على الشيطان من ألف عابد.
ومن أجل هذا قسم الإمام علي رضي الله عنه الناس إلى أقسام ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ذي ناعق.