وقد وكلت الملائكة بأخذك ، وسوقك في أرض المحشرعلى رؤوس الأشهاد ، والخلائق كلها تنظر إليك ، فيقرع النداء قلبك ويصفر وجهك وترتعد فرائصك وتضطرب جوارحك وترى نفسك بين يدى الحق جل جلاله ليكلمك ليس بينك وبينه ترجمان كما في الصحيحين من حديث عدى بن حاتم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:
(( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ، ليس بينه وبينه تُرجمان ، فينظر أيمن منه(أى عن يمينه ) فلا يرى إلا ما قدم ( أى في هذه الحياة الدنيا ) وينظر أشأم منه ( أى عن شماله ) فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة )) (1) أى ولو بنصف تمره تتصدقون بها إلى الله جل وعلا .
يقرع النداء القلب ويأمر الله تبارك وتعالى بالصحف وبالكتب فيأخذ كل إنسان صحيفته .
تلك الصحيفة التى لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها . فكم من معصية قد كنت نسيتها .. ذكرك الله إياها . وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها .. أظهرها الله لك وأبداها .. فيا حسرة القلب ساعتها على ما فرطنا في دنيانا من طاعة موالنا .
اسمع لربك جل وعلا ، وهو يقول:
{ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا }
(1) رواه البخارى رقم (7512) فى التوحيد، باب كلام الرب عز وجل ، ومسلم رقم (1016) فى الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، والترمذى رقم (2427) فى صفه القيامة .