فرد عليهم بزهد وورع وقال: { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ } .
لقد أعطانى الله عز وجل من وسائل التمكين ما أغنانى به عن مالكم ولكنه لمح فيهم الكسل ، فأراد أن يشركهم في هذا المشروع العظيم وفى هذا العمل الضخم ، فقال لهم ولكن !
{ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } أى قال بلغة العصر: التخطيط الهندسى والمعمارى والإنفاق المادى لبناء هذا السد ولإقامة هذا المشروع ، سنتكفل نحن بذلك ، ولكننا في حاجة إلى العمال ، في حاجة إلى عمالة يحملون ويبنون ويقيمون هذا العمل ، { فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } .
وبدأ ذو القرنين المهندس البارع الذى سبق علماء الهندسة المعاصرين بعدة قرون .
أمر بالبدأ في المرحلة الأولى من مراحل هذا المشروع .
{ ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ } :
أى اجمعوا لى قطع الحديد الضخمة وأمرهم بوضع هذه القطع في مكان ضيق بين هذين السدين ، فلما وضعت قطع الحديد حتى ساوت قمة الجبلين قال: انفخوا النار المشتعلة التى تصهر هذا الحديد ، ولك أن تتصور حجم هذه النيران التى اشتعلت لتصهر أطنانًا من الحديد لا يعلم وزنها إلا العزيز الحميد ، اشتعلت النيران تحت هذا الحديد بين السدين في مكان ضيق ، يريد أن يسد على يأجوج ومأجوج الطريق الذى ينفذون منه إلى هذه الأمم المسكينة المغلوبة على أمرها .
فأشعل النيران حتى انصهر الحديد وذاب بين السدين أى بين الجبلين ، فأمر ذو القرنين أن يدخلوا في المرحلة الثانية من مراحل البناء ، ألا وهى أن يذيبوا النحاس حتى ينصهر .
فلما انصهر النحاس أمرهم بصب النحاس على الحديد فتخلل النحاس الحديد فأصبح النحاس والحديد معدنًا واحدًا ليزداد صلابة وقوة فلا تستطع يدى يأجوج ومأجوج أن تتسلقه أو أن تنقبه .