أما أهل الإيمان، فيرون أن التشريع حق خالص لله، لا يشاركه فيه غيره، ولا يحتكم فيه لسواه. قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة/50] ، وقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى/21] . وظلت هذه العقيدة مستقرة في خلد المسلمين، وفي واقعهم السياسي، والتنظيمي، قرونًا متعاقبة، بوصفها: (من المعلوم من الدين بالضرورة) .
لم يخالج أهل الإسلام شك في أن (الهدى) في لزوم الكتاب والسنة، وإن قصروا في تطبيقه. وأن (الضلال) في الحيدة عنهما، وإن تلبسوا بشيءٍ ذلك. وكان كل تجديد، وإصلاح، يقع في تاريخ الأمة، يعوِّل على التمسيك بهذين الأصلين، والرد إليهما عند التنازع. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) [النساء/59]
وقد بدأ خط الانحراف بالانفراج عن الخط المستقيم، حين سعت الدولة العثمانية، إبان حكم السلطان محمود الثاني (ت:1839) في محاكاة الدول الأوربية في سن التنظيمات، والقوانين، التجارية، والمدنية، ثم سار على خطاه السلطان عبد المجيد الأول، فأصدر مرسومه الشهير (خط شريف كولخانه) الذي ألغى رسميًا (نظام الملل) ، عام 1839م، كما صنع إبراهيم باشا، ذات الإجراء حين استولى على بلاد الشام عام 1832م، حين أصدر (القانون البيورلدي) القاضي بإلغاء أحكام أهل الذمة.، حتى آل الأمر بالدولة العثمانية، تحت ضغوط الدول الأوربية إلى إصدار تنظيم أكثر اتساعًا، عام 1856م عرف باسم (الخط الهمايوني) .
ولم يزل بساط الشرع يطوى، وتبسط مكانه القوانين الوضعية، حتى انحسر الحكم بالشريعة في معظم البلدان الإسلامية بما يسمى (الأحوال الشخصية) ، المتعلقة بالنكاح، والطلاق، والنفقات، والميراث، ونحوها. بل طرأ على هذه المذكورات ما يقتضي، في نظر القانونيين، ما يقتضي التغيير، استجابة للمعاهدات الدولية، والاستزلال العالمي. ولا زالت الجامعات، والبعثات، تغذ السير لدراسة (النظم) و (القوانين) لإحلالها محل الشريعة الخاتمة، والهدي النبوي.