إنّ المعلّم المخلص في عمله، تفتح له آفاق إبداعيّة، تجعل عمله متميّزًا، ورؤاه بعيدة المدى، وتشخيصه لداء المجتمع الذي يعيش فيه أقرب إلى الصواب، وأدْنى إلى السداد، والأمثلة على ذلك من الواقع كثيرة حيّة، لا يتّسع المقام للحديث عنها ..
وبناء على ذلك؛ فإنّ التخطيط لمستقبل الأمّة الواعد لابدّ أن يشارك في وضع خططه وتوجّهاته أمثال أولئك المُعلّمين المتميّزين، الذين بَلغوا درجةً عليا من النجاح في عملهم، والنضج في تفكيرهم ممَّا يؤهّلهم للرؤية الآفاقيّة، المُستشرفة لمتطلّبات المستقبل واحتياجاته، وربّما نظر إليها غيرهم على أنّها نوع من الترف والفضول ..
ومن ثمّ فإنّ التفاعل التعليميّ البنّاء مع احْتياجات الساحة التربويّة ومتطلّباتها مصدر من أعظم مصادر التأليف وملهِماته، وهو سرّ من أسرار التجديد والإبداعِ فيما يكتب الكاتب أو يؤلّف.
ثمّ لابدّ للمؤلّف من دافع يدفعه إلى التأليف، إذ إنّ التأليف جهد فكريّ ونفسيّ شاقّ، لا يمكن أن تنبعث همّة الإنسان إليه مالم يجد لعمله حاجة ملحّة، تحمله على تحمّل عقبات ذلك ومشاقّه .. وقد أشار العلماء إلى أهمّ هذه الدوافع، فجاء في كشف الظنون:"إنّ التأليف على سبعة أقسام، لا يؤلّف عَالمٌ عاقلٌ إلاّ فيها، وهي: إمّا شيءٌ لم يُسبق إليه فيخترعه، أو شيءٌ ناقصٌ يُتمّمه، أو شيءٌ مغلَقٌ يشرحه، أو شيءٌ طَويلٌ يختصره، دون أن يخلّ بشيءٍ من معَانيه، أو شيءٌ متفرّقٌ يجمعهُ، أو شيءٌ مختلطٌ يرتّبه، أو شيءٌ أخطأ فيه مصنّفه فيصلحه" [1] .
وإذا كان لكلّ جيْلٍ عقليّته، ولكلّ عصرٍ ما ينَاسبه، فإنّ لكلّ عَصرٍ لغته وأسلوبه، ولكلّ جيْلٍ ما يناسبه من فنّ الخطاب وأسْلوبه المؤثّر فيه، بلْ إنّ ما يناسب قومًا قد لا يناسب قومًا آخرين يعيشون إلى جوارهم، ومن هنا فإنّ من أهمّ الدوافع للتأليف أن يقدّم المؤلّف لأبناء عصره ما يناسب لغتهم، ويتحدّث إليهم بما يؤثّر في نفوسهم، وينال اهتمامهم بما.
فلابدّ للمؤلّف أن يسأل نفسه قبل التأليف هذا السؤال البدهيّ: لماذا يؤلّف؟ ولِمَن يؤلّف؟
(1) ـ كشف الظنون المقدّمة ص/35/، وقد نقل لي الأخ الفاضل الشيخ الدكتور سائد بكداش أنّ هذه الكلمة لابن حزم من رسالة له في وصف الأندلس، وقد نقلها عنه المقّري في الجزء الثالث من نفح الطيب.