شكّ فيه أنّ الأهواء تختلف جدّ الاختلاف، وأنّ الجهّال إنّما يستمدّون من العواطف والأوهام، لا من العقول والأفهام، فماذا يكون الحال إذا سلّطناهم على الشريعة يفهمونها بآرائهم، ويلعبون فيها بأهوائهم؟!
"هذا ومعلوم أنّ المستفتي لا يسأل العالم عن رأيه، ولا ما يستحسنه بمحض هواه، ولكن يسأله عن حكم الله في المسألة، وسؤاله لأهل الذكر عن حكم الواقعة، إنّما هو ليجيبه المسئول بما يعلمه من الكتاب والسنّة، فسؤاله عن حكم الله لا عن آراء الرجال، التي لم تستند إلى كتاب أو سنّة، كما يتوهّمون، بل يشنّعون."
"وما كتب الفروع إلاّ شرح للكتاب والسنّة، فما الذي يوجب التنفير والتحذير ممّا مرجعه إلى الكتاب والسنّة.؟"
"وهل يمكن العامّة أن يفهموا الكتاب والسنّة، لولا ما كان من أئمّة الهدى - رضي الله عنهم -.؟! كيف وفيهما المجمل والمبيّن، والعامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والناسخ والمنسوخ، والمنطوق والمفهوم، وغير ذلك.؟!"
"وقد كان كبار المحدّثين المخلصين، يقلّدون الأئمّة المجتهدين علمًا منهم بأنّ رواية الحديث لا تكفي في الاجتهاد، وقد قالوا:"إنّ المحدّث بمنزلة الصيدليّ، والمجتهد بمنزلة الطبيب".."
"إنّ أمثال هؤلاء المتهوّرين، لا يصحّ أن يكونوا أئمّة الهدى، ولا علماء الدين، فإنّ أخصّ أوصاف الأئمّة والعلماء: الرزانة والأناة، واحترام غيرهم من ذوي الفضل والعلم، والشفقة على الأمّة، ووراثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .."
"والخطأ إلى من يجتهد، وليس أهلًا للاجتهاد أقرب منه إلى من يقلّد المجتهد الموثوق به، المشهود له بالإمامة. وهذا تنزّل اقتضاه المقام، وإلاّ فاجتهاد من ليس أهلًا للاجتهاد من أكبر الكبائر، وأعظم الجنايات على الدين وأهله، على أنّ أتباع الأئمّة لم يكونوا من مقلّديهم على ما يزعم هؤلاء، فإنّا نرى أبا يوسف ومحمّدًا كثيرًا ما يخالفان أبا حنيفة، بل لا نكاد نجد مسألة لا يذكر فيها ذلك الخلاف الذي يبيّن استقلالهم، وشدّة حرصهم على اتّباع الحقّ متى ظهر دليله .."
"فكان لكبار الأئمّة الاستقلال التامّ، ولأكابر تابعيهم الاستقلال الجزئيّ، من التضعيف والترجيح، وللعامّة الاتّباع، فإنّه لا يصحّ فيهم غير هذا، وهو عين الحكمة، ولولا ذلك لصار الدين لعبة بيد الجهّال، وهذا ما نخاف منه، ونحاول القضاء عليه."