الصفحة 118 من 176

"وليس معنى ذلك أنّنا نقول بعدم الاجتهاد، أو أنّه أغلق بابه كما يقولون، فإنّ أبواب فضل الله لا تغلق، وهل هذا إلاّ حجر على الله عزّ وجلّ.؟ ولكن هناك فرق كبير بين إمكان الشيء ووقوعه، وبين إسناده إلى غير أهله، وقد أصبحنا في زمان ضاعت فيه الحدود، وتعدّى كلّ إنسان طوره، ولم يعرف قدره، وهي أكبر مصائبنا، وأعظم بلايانا، التي نئنّ منها ولا نعلم منتهاها .."

"نحن نرى أنّ الناس على درجات شتّى فيما وهبهم الله من الاستعداد الفطريّ، وفيما أحاط بهم من ضروب التربية المختلفة، والبيئات المتنوّعة، وما قدّر لهم من فنون الشواغل، وما عنوا به ممّا أقامهم الله فيه، ونرى أنّ كلّ طبقة لها حكم يخصّها، فمن وصل إلى درجة الاجتهاد، وجب عليه الاجتهاد، وكان آثمًا بتركه، ومن وصل إلى درجة الترجيح، وجب عليه ذلك، ومن قعد به استعداده أو تربيته أو بيئته، أو أحاط به من شواغل المعيشة أو الوظيفة فعليه أن يقلّد من يثق به، ويعلم أنّه غير جاهل بدين الله، ولا غاشّ فيه .. ولا يكلّف الله نفسًا إلاّ وسعها .."

"أمّا إخواننا ـ أصحاب النهضة الحديثة، والطفرة غير المعقولة ـ فيرون الأخذ من الكتاب والسنّة بلا مراعاة لشروط الاجتهاد، ولا تفرقة بين ضروب الاستعداد، وهذا مبدأ خطر جدًّا، إذا جرينا عليه عمّت الفوضى، وفسد أمر الدين والآخرة، فمن المحتّم لصلاح المجتمع، وتمام النظام أن يعرف كلّ إنسان قدره، ولا يتعدّى طوره، وأن توزّع الأعمال: فهذا للتجارة، وهذا للزراعة، وهذا للعلم، وذاك للاجتهاد، وغيره للتقليد، وهلمّ جرًّا .. وعلى هذا بناء الوجود وصلاح العالم، والقاعدة في أمور الدين والدنيا .."

"وإنّي أعجب لهؤلاء، كيف يجعلون أمر الاجتهاد أقلّ من جميع الصنائع، التي لا يجتهد صاحبها إلاّ إذا كان له فيها علم واسع، وعمل متكرّر، حتّى يعرف أسرارها ودقائقها، ويصبح من ذوي التبريز فيها .. وكأنّ مسألة الدين أصبحت من أقلّ المسائل لدينا، وأهونها علينا ..".. إلى آخر كلمته الدقيقة الرصينة، رحمه الله وأجزل مثوبته.

ـ العلماء الذين استكتبهم: ولا نعرف على وجه الدقّة عدد العلماء الذين استكتبهم لهذا الغرض، ولكنّ العلماء الذين وصلته إجاباتهم، وأدرج مقالاتهم في الكتاب هم:

ـ الشيخ عبد الله خير الله، مفتي منطقة جبل سمعان في محافظة حلب.

ـ الشيخ محمّد الحامد، خطيب جامع السلطان بمدينة حماة.

ـ الشيخ محمّد إبراهيم السلقينيّ، مدرّس الفقه وأصوله في الثانويّة الشرعيّة بحلب، وإمام وخطيب مسجد الطواشي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت