الصفحة 139 من 176

بساطه، وأهمل علمه وعمله، لتعطّلت النبوّة، واضمحلّت الديانة، وعمّت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتّسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلاّ يوم التناد.

وقد كان الذي خفنا أن يكون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحق بالكلّيّة حقيقته ورسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتّباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعزّ على بساط الأرض مؤمن صادق، لا تأخذه في الله لومة لائم.

فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسدّ هذه الثلمة، إمّا متكفّلًا بعملها، أو متقلّدًا لتنفيذها، مجدّدًا لهذه السنّة الداثرة، ناهضًا بأعبائها، ومشمّرًا في إحيائها، كان مستأثرًا بين الخلق بإحياء سنّة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدًّا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها"."

وقد تأثّر الشيخ بكلام الإمام الغزاليّ رحمه الله، ورأى أنّ من لازم ذلك أن يهجر المؤمنُ العاصيَ إن لم يستجب للأمر أو النهي، زجرًا له، وغيرة على حرمات الله تعالى، ورأى من الأدلّة الشرعيّة الصحيحة الصريحة، التي استعرضها في كتابه ما يؤيّد اتّجاهه ويقوّيه، فمال إلى هذا الأسلوب في منهجه، ورآه عزيمة تهاون بها كثير من الناس، وكثير من الدعاة على وجه الخصوص، ومع أنّه في خاتمة هذه الكلمة عدّ هجر العصاة"وسيلة من وسائل تغيير المنكر"، وقال عنها:"وهي وسيلة تأتي بعد محاولة النصح، والتودّد والتحبّب، والإكرام والتلطّف، فإذا لم يستجب العاصي لأمر الله فماذا على المسلمين أن يغضبوا لله، ويهجروا في الله.؟!"، ولكنّه في الحقيقة تعامل مع هذه الوسيلة، وكأنّها جزء من المنهج نفسه، لا يسع المؤمن أن يخالفه أو يقصّر فيه، مع أنّ الوسائل الدعويّة إنما يلزم الأخذ بها إذا حقّقت المقاصد منها، أمّا إذا لم تحقّقها، أو أدّت إلى عكس المقصود في بعض الأحوال، فلا مناص من العدول عنها، والأخذ بما هو أجدى وأنفع منها.

ومن الملاحظ في حياة أكثر المصلحين أنّ أحدهم عندما يجنح إلى مبدأ من المبادئ، أو مفهوم من المفاهيم يتّجه نحوَ ذلك بكلّ قوّته وطاقته، وينطلق في الشوط إلى أقصى مداه، ممّا يوقعه في شيءٍ من المبالغة في الأمور، والخروج عن الاتّزان، وتجاهل المؤثّرات الأخرى، التي ينبغي مراعاتها ووضعها في الاعتبار ..

وربّما عاد كثير منهم بعد المراجعة والتقويم لنفسه وعمله، إلى حدّ الاعتدال، وربّما كانَ الزمن والتجرِبة كفيلين بتحقيْق ذلك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت