وقد جاء من وصايا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وأمّته الشيء الكثير، الذي لا يخفى على أيّ مطّلع على كتب السنّة الشريفة، منها ما كان عامًّا، ومنها ما كان خاصًّا ببعض أفراد أمّته ولكن يراد به العموم.
ولم تزل الوصيّة بالخير والتقوى في هذه الأمّة، دأب الصالحين والكبار، والآباء والمربّين، يطلبها الناس، وتبذل لهم بغير طلب، حرصًا على نصح الأمّة وإرشادها إلى ما يسعدها، وينير سبيلها.
وللوصيّة أثرها البالغ في نفس الموصَى، وبخاصّة إذا خُصّ بها، وذلك لما تحمله من حبّ الموصِي وإخلاصه للموصَى، وحرصه على خيره وفلاحه، ورشده وحسن عاقبته، فلا يزال الموصَى يذكر ما خصّ به من وصيّة، فتفعل فعلها في نفسه، وتؤثّر في حياته، ويرويها لمن وراءه، ويوصي بها من بعده ..
وكاتب هذه السطور لا يزال يذكر كلمات توجيهيّة سمعها من والده، ومن أساتذته ومشايخه، رحمهم الله وجزاهم عنه أفضل الجزاء، ولا يزال ينتفع بها، ويستشهد بها في المناسبات، ويحدّث بها أولاده وإخوانه، ويراها من أعزّ ما ورثه وتأثّله ..
ولقد أخذ الشيخ رحمه الله بهذا المنهج في حياته التربويّة والدعويّة، فكان في كلّ مناسبة يتقدّم لأولاده وإخوانه بوصاياه وتوجيهاته، مكتوبة محدّدة، ويدعوهم إلى الأخذ بها، والحرص على تنفيذها .. فكان في كلّ سفرة من أسفاره إلى الحجّ يكتب لأولاده وصيّة توجيهيّة تربويّة، ووصيّة أخرى إلى إخوانه وتلامذته ومحبّيه، وكان من وصاياه ما يقدّمه لأبنائه الطلاّب في مطلع كلّ عامّ دراسيّ ..
وكانت وصاياه حسنة العبارة جميلة البيان، تصلح أن يقال فيها: جامعة مانعة، ولو جمعت في كتاب لكانت صورة رفيعة من صور الأدب العربيّ، التي تجمّل صدر لغتنا الحبيبة، وتعتزّ بها ..
ونتقدّم في ختام هذه الدراسة بنماذج من وصايا الشيخ رحمه الله، إحداها وصيّة تاريخها متقدّم، وهي ممّا وجدناه في مسوّدات أوراقه رحمه الله، وأخرى أملاها علينا في مجلس:"تذكير وتحذير"، وووصيّة ثالثة هي آخر ما كتبه في حياته.
وصيّة
الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين، وبعد؛