وكان الشيخ خير عون للشيخ طاهر خير الله في تطوير المدرسة، ورفع مستواها، وإصلاحها إداريًا وتربويًا، فشهدت الثانويّة الشرعيّة في الفترة التي عمل فيها الشيخ، قفزة نوعيّة في العمل الإداريّ، وفي علاقة الطلاّب بالإدارة ورفع مستواهم، وبثّ روح العمل الإسلاميّ والنشاط العلميّ والدعويّ والتربويّ، والانفتاح على المجتمع والتلاؤم معه، بعدما كانت الصورة عن طلاّب الثانويّة الشرعيّة أنهم منعزلون عن المجتمع بعيدون عن التكيّف معه.
وقد أخفقت أكثر الإدارات التي تعاقبت على الثانويّة الشرعيّة في إصلاح أحوال الطلاّب ومعالجة مشكلاتهم، وانتهى وجودها في المدرسة بتمرّد بعض الطلاّب واعتدائهم عليهم بالضرب.
ولقد حدّثني أستاذنا الشيخ طاهر خير الله في بيته في المدينة المنوّرة [1] ، عن أثر الشيخ أحمد رحمه الله في إصلاح الثانويّة الشرعيّة، فأنا أثبت هنا خلاصة ما كتبته عنه، يقول رحمه الله:"كانت الثانويّة الشرعية قبل أن يعمل فيها أخونا الشيخ أحمد رحمه الله، مسرحًا للاضطرابات والفوضى، والتسيّب والإهمال، وغياب المسئولية الأمينة الواعية .. لقد عاش أكثر الطلاب فيها، وهم طلاب العلم الشرعي، وحملة أمانة العلم والدعوة في واقع مغلق محدود، وجهل تامّ بما وراء المدرسة وما يعيشه الناس في المجتمع."
"ـ وكانت الحصص الدراسيّة لا تتصف بالنظام المدرسيّ السليم، والانضباط الإداريّ المقبول، مما يعطي صورة غير حسنة عن المدرسة وأساتذتها وطلابها، وبخاصّة إذا ما قورنت بمدارس وزارة المعارف آنذاك .. وكانت علاقة الطلاب بالإدارة بالغة السوء، يرون الإدارة حاكمًا مستبدًّا، يسعى لشرهم والإضرار بهم، لا لتحقيق مصالحهم، والإحسان إليهم، فكانت المدرسة تشهد بين الحين والآخر إساءات من الطلاب لبعض المسئولين، تصل إلى الضرب والجرح والإهانة."
"ولقد كان الشيخ أحمد رحمه الله خير عون لإصلاح هذه الجوانب كلّها، وكان عمله في الإدارة ميدان اختبار دقيق لشخصيّته الإدارية، وحنكته وذكائه، وحكمته وبعد نظره، ولقد كان نجاحه في ذلك كله منقطع النظير، وفوق ما يتصور أي إنسان أو يطمح."
"والسرّ في هذا النجاح ـ والكلام كله للشيخ طاهر رحمه الله تعالى ـ ما كان يتمتّع به الشيخ أحمد من إخلاص في عمله، وتجرّد عن حظوظ نفسه، وهمّة عالية في ضبط الأمور ومتابعتها، وأنا أشهد أني ما لحظت عليه يومًا من الأيام ذرّة من غرض شخصيّ، أو"
(1) ـ وكان ذلك قبل وفاته رحمه الله تعالى بسنتين، وكانت وفاته في منتصف عام 1409 هـ تقريبًا.