الصفحة 57 من 176

1 ـ فأما دعوة الأقران وزملاء الدراسة وأسلوبه فيها، فقد حدّثنا رحمه الله أنه عندما أكرمه الله بالهداية، عكف على نفسه وأسرته أولًا، ثمّ رأى أنّ عليه حقًا شرعيًا لازمًا نحو أولئك الذين قضى معهم سنيّ دراسته، وكانت بينه وبين بعضهم علائق ودّ وصداقة وثيقة، فاتخذ لمخاطبتهم أسلوبًا من الأساليب النبوية في الدعوة، إذ أرسل إليهم رسائل، يتلطف فيها بالخطاب، ويبتدئها بذكر محبته لزميله، وأنه يريد له الخير كما يريده لنفسه، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويذكّره بحياتهم الدراسية، وما كان فيها من إيجابيّات، ويسأله عن حاله واهتماماته في هذه الحياة وطموحاته، ثمّ يوضّح له ما وفّقه الله إليه من الاتباع والالتزام بأوامر الله، وهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسنّته، والدعوة إلى سبيله، وأن السعادة الحقيقية للمرء أن يعرف قيمة وجوده، وغاية خلقه، وعاقبة أمره، ثم يختم رسالته بالرغبة بالزيارة لتدارس هذا الأمر والوصول إلى نتيجة [1] .

ثم تكون الزيارة للتأكيد على تلك المعاني والوصول إلى نتيجة محدّدة، وقد كانت إجابة كثير من هؤلاء، فيها مجاملة وثناء على الشيخ بما هو عليه، ورضا بما هم عليه، وأنّهم على خير، واعتذر بعضهم أنه لا يستطيع الخروج عما هو عليه من عادات، وقد عدّ الشيخ هذا الأسلوب الذي اتخذه مع زملاء دراسته إعذارًا له عند الله، وقضاء لحق الصداقة والمعرفة التي كانت بينه وبينهم.

2 ـ وأما مشاركة الشيخ رحمه الله تعالى في إنشاء:"دار الأرقم"والعمل مع رجالها، ومتابعة تطوراتها، ثم الاعتزال عنها، فلماذا شارك في إنشائها.؟ ثمّ لماذا اعتزل عنها.؟

لقد كان للشيخ رحمه الله علاقات وثيقة مع ثلّة من رجال الفكر الإسلامي ذوي الغيرة الدينية، والتوجه الدعوي؛ منهم القاضي الشرعي الشيخ عبد الوهاب الألتونجي، والشاعر الإسلامي الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري، والعالم الفقيه الشيخ مصطفى أحمد الزرقا، والمحامي الشهير الأستاذ عبد القادر السبسبي [2] ، وغيرهم آخرون .. فكانت بينهم لقاءات، يتدارسون فيها واقع الأمة، والسبيل الأمثل لخدمة الإسلام، فتمخضت تلك اللقاءات المتتالية عن إنشاء ما أسموه:"حركة التهذيب الروحي"أو"الإحياء الروحي"ولعلّ التسمية تكشف عن أهداف تلك الحركة ومقاصدها، وقد اقترح لها كتاب:"إحياء علوم الدين"، للإمام الغزالي رحمه الله، ليكون مرجعًا يلتقي عليه أولئك المجتمعون [3] .

ـ ثم تسمّت تلك"الحركة":"جماعة شباب محمّد - صلى الله عليه وسلم -"، ثمّ غيرّت التسمية إلى"دار الأرقم"وتمّ اختيار مركز لها في باب النصر في مدينة حلب، واتّبع المنتسبون إليها

(1) ـ ينظر نموذج تلك الرسائل في:"مراحل حياتي بقلمي".

(2) ـ قال عنه في الأعلام 4/ 38/: حقوقيّ من أهل حلب مولدًا ووفاة (1304 ـ 1393 = 1886 ـ 1973) حفظ مجلّة الأحكام العدليّة وعمل محاميًا ومدرّسًا، وكان من مؤسّسي دار الأرقم بحلب (1936) .

(3) ـ وقد سمعت تفصيل إنشائها من الشيخ رحمه الله في عدّة مناسبات، كما سمعت طرفًا منه من الأستاذ الأميري رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت