أسلوبًا لجلب الناس إلى المركز، وذلك بإنشاء قاعة للمطالعة المجانية، وتمّ التبرع بالكتب من المنتسبين إلى:"دار الأرقم"وشجّع الناس على ذلك، فامتلأت المكتبة بالكتب ما بين عشية وضحاها.
ثمّ اقترح القائمون على"دار الأرقم"أن يتمّ إصدار:"نشرة أخبار العالم الإسلاميّ"، لتعريف المسلمين بما يجري لإخوانهم في العالم، وما يقع من أحداث، فنفّذت الفكرة، فكانت تُعدّ نشرة الأخبار كل أسبوع، ويتمّ إلقاؤها على الناس بعد صلاة الجمعة، في الجامع الأموي الكبير في حلب، ثمّ تلقى أيضًا في جامع"بانقوسا".
ـ ولقد كان هدف الشيخ رحمه الله ـ كما حدّثنا ـ من لقائه مع هؤلاء الدعاة أن تكون حركة عملية تطبيقية، تهدف إلى التمسك بالإسلام، والدعوة إليه على بصيرة.
وظلّ الشيخ في جميع لقاءاته ـ كما أخبرنا ـ يركّز على هذه المعاني، ويحاول أن يشدّ الحركة إلى الوجهة التطبيقية العملية، التي تعنى بالالتزام الإسلامي، وتهتمّ بالاتباع، ولكنه رأى بعد مدّة أن كثيرًا من المجتمعين لا استعداد عندهم للتجاوب مع خطته العملية، ولا توجّه لهم إلى ذلك، فقرّر أن يعتزل عنهم، إذ كيف يتحمّس للإسلام، ويغار على دين الله، ويحمل دعوته من لا يستجيب لفضائله ولا يلتزم بآدابه.؟! لقد كان السلوك الإسلامي الملتزم، هو محكّ الرجال وميزان الدعوات في نظره رحمه الله.
ـ وأما نشاطه مع العلماء والدعاة إلى الله تعالى، وسعيه لجمع كلمة العلماء، فيعدّ هذا المجال الدعوي من الجوانب الحيوية الهامة في حياة الشيخ رحمه الله، إذ ظهر في مرحلة مبكرة من حياته، ثم استمر واتصل إلى وفاته، وهو من ناحية أخرى يبرز إيجابية الشيخ وتضحيته في سبيل الله، وقوّته في الحق، كما يبرز لنا مكانته بين إخوانه العلماء.
ولقد عُرف الشيخ رحمه الله بين علماء"حلب"سبّاقًا إلى كلّ لقاء، وعرفوه إيجابيًا بما يتبنى من مواقف، وما يقدم من آراء. وكانت لقاءات العلماء على نوعين: منها ما هو دوري رتيب، ومنها ما يكون في أوقات الأزمات والشدة، وكان"مجلس جامع أبي ذر"المسمى"الليوان"وفيه مكتبة الشيخ الخاصة، مفتوحًا للقاء العلماء في كل مناسبة.
ـ وكان يرى رحمه الله أن خير أسلوب ينظّم هذه اللقاءات، أن تقوم على الشورى الحقيقيّة، واحترام الرأي، والبعد عن الفرديّة والاستبداد بالرأي من قِبَل أيٍّ كان.
وكان في اجتماع العلماء، وتشاورهم نتائج طيبة في إلغاء كثير من المنكرات، ومظاهر الفساد والانحراف الأخلاقي في المجتمع، والقضاء على الحفلات الماجنة، التي يراد من ورائها إفساد الناشئة، وزرع بذور الفساد في الأمة. ولقد بلغ من هيبة العلماء ببركة اجتماع كلمتهم، أنهم كانوا يسمعون بمنكر من المنكرات أنه سيحدث في أي مكان من مدينة"حلب"فيجتمعون ويتشاورون، ثمّ يتنتدبون بعضهم لمقابلة المحافظ لإلغاء هذا المنكر، فما يكون من المحافظ إلا أن يتصل بالجهة التي تريد إقامة الحفلة، ويبلغها ضرورة إلغائها بناء على احتجاج العلماء واستنكارهم، ولقد حدث من ذلك مواقف عديدة كان لها أثر طيّب في الحياة العامّة للأمّة.
ـ وكان قمّةَ نشاط الشيخ الدعويّ التفاته إلى تربية الشباب وتوجيههم، وتعدّ هذه المرحلة المرحلةَ الغنيّة الخصبة في حياته نشاطًا وعطاءً، ودعوة وتربية، وتأليفًا وكتابة، وهي ثمرة تكوينه العلميّ والتربويّ، ومن بركات منبته الطيّب، وما منّ الله به عليه من مواهب.