ـ وكان حريصًا رحمه الله على تثبيت العقيدة في قلوب طلابه في المدارس، وبثّ حقائقها، والإجابة عن شبهاتهم التي تتعلق بوجود الخالق سبحانه، وبالقضاء والقدر، التي يثيرها الملاحدة وأعداء الإسلام، فيضرب لهم الأمثال، ويجلّي الشبهات، ويحاورهم بحكمة وهدوء حتى تذعن عقولهم لمنطق الحق وحججه، وقد حدثنا من ذلك عن مواقف كثيرة، سجّل بعضها في سلسلة العقائد، كما أملى علينا في مجلس"تذكير وتحذير"خلاصة مفيدة عن القضاء والقدر.
ـ وأما عبادته؛ فقد حدثنا عن مجاهدته الشديدة لنفسه، أول إقباله على التمسك بالسنة وشغفه بالعلم، وقد تأثر في ذلك بكتاب"إحياء علوم الدين"للإمام الغزالي رحمه الله، فأخذ نفسه بالمجاهدة الشديدة، حتّى نحل جسمه، واصفرّ لونه، ثمّ عاد إلى الاعتدال، الذي هو منهج السنة النبوية في العبادة والعمل كله، فكان حريصًا على الاتباع في عباداته والاعتدال فيها.
ـ وكان محافظًا على نوافل العبادات حريصًا على التهجد من الليل سفرًا وحضرًا، يربي أولاده على ذلك، ويحث إخوانه ويوصيهم به ولو ركعتين من الليل.
ـ وكان يحرص على قيلولة النهار والنوم المبكر، فلا يسهر إلا لمصلحة شرعية راجحة رعاية للاستيقاظ وقت السحر، واغتنام نفحاته المباركة.
ـ وكان كثير الذكر لله عز وجل، ويظهر ذلك من حضور قلبه مع الله تبارك وتعالى، ورقّته وسرعة دمعته، وشدة اعتباره واتعاظه بكل ما يراه، أو يسمعه.
ـ وكان محافظًا على أذكار السنة وأدعيتها وآدابها، يأخذ بها ويعلّمها لإخوانه في كل مناسبة، ويحثّ على حفظها وأدائها في أوقاتها.
ـ وكان حريصًا على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان المبارك من كلّ عام، ويحثّ إخوانه على ذلك، ويضع لهم نظامًا دقيقًا متنوعًا، يملأ الأوقات خلال اليوم كله، يُعلنه للإخوة، ويلتزمون بتنفيذه بدقّة، منه ما هو مشترك، ومنه ما يؤدّى بصورة فردية.
ولقد رأينا منه في الاعتكافات أحوالًا عجيبة من الخشوع وحضور القلب مع الله، حتى إن بعض الشباب الجدد حضر صلاة التراويح مرة، فتأثّر الشيخ في صلاته وغلبه البكاء، فبكى بصوت سمعه كثير من المصلين، فالتفت إليّ هذا الشاب بعد الصلاة، وقال لي: ماله الشيخ.! هل فقد أحد أولاده، أو نزلت به مصيبة.؟ فقلت له: لا هذا، ولا ذاك، قال: فما سبب بكائه إذن؟ فقلت له: هذا أمر مألوف منه ..